الصفحة 307 من 378

القنابل المشتعلة، وركام الأبنية المحطمة، ووحشية وجاهزية الجيش الألماني .. ليوقفوا زحف الجيش النازي الزاحف علي مدينتهم خلال الحرب العالمية الثانية، بل شكلت نقطة محورية مهمة في تراجع المد النازي عن العالم بأسره. وهذه الفكرة المسيحية تخرج أوربا إلي مسرح التاريخ في قرن البعث الحديث 1.

لأن مهمة الفكرة الدينية هي تغيير الإنسان، ووضع طاقته الحيوية الكامنة - أو المبددة في برائن ومهاوي الجاهلية والضياع - علي عتبات النهوض والإقلاع الحضاري، فتجعل من كل القيم الدينية قيما أخلاقية عملية تحكم المجتمع، وتحدد طبيعة علاقاته ببعض، وهي بعملية التحول تلك تكوّن شبكة العلاقات الاجتماعية الاخلاقية المحكمة في النسيج الاجتماعي، وقد بين الأستاذ مالك بن نبي علمية التحول في المجتمع بأنه « .. علي عتبة حضارة ما، ليس هو عالم الأشياء الذي يتبدل، بل بصورة أساسية عالم الأشخاص علي أساس ميثاق جديد منزل كالقرآن الكريم .. » 2.

وحتي حينما تفقد هذه الأفكار الدينية فعاليتها في المجتمع، فإنها تحتفظ بقوتها الدافعة، وهذا الوضع جسدته الحضارة الإسلامية بعد عصر الموحدين، ومن رافقه من انحطاط وتخلف حضاري، وقد مكنتها تلك الأفكار الكامنة من مقاومة العدوان، وتحقيق الاستقلال، ومعاودة السباق للنهضة والطموح الحضاري.

أما الأفكار التي تسعي لتغيير عالم الأشياء والمقتنيات، فإنها غالبا ما تصدر عن العقل البشري الذي خلقه اللّه لمثل هذه المهمة، وهي صنع وإبداع مثل هذه المنتجات وتطويع المادة، باستغلال وتوظيف كل الوسائل المتاحة في ذلك المجتمع. فدور مثل هذه الأفكار البشرية مترافقا مع الأفكار الدينية مهم في توجيه نشاط المجتمع نحو صنع حاجاته ووسائله الضرورية لمسيرته الحضارية.

(1) مشكلة الأفكار، مالك بن نبي، ص 40 .. 48، بتصرف.

(2) المصدر نفسه، ص 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت