2 -مقياس الغني أو الفقر الاجتماعي:
يؤكد الأستاذ مالك بن نبي علي حقيقة اجتماعية مهمة، لها علاقة حقيقية ووطيدة بغني وفقر المجتمع فيقول: « .. لا يقاس غني المجتمع بكمية ما يملك من أشياء بل بقدر ما فيه من أفكار .. » 1، لأن القوة الحقيقية للأمة تمكن في امتلاكها للأفكار الحية والبناءة، وبامتلاكها لهذه الأفكار البناءة الحية تسيطر علي عالم الأشياء، وتوظف مالها من وسائل متاحة بفضل تلك الأفكار الحية، وتعتبر في الوقت نفسه الزاد الحي والمنقذ إذا ما تعرضت إلي النكبات الطبيعية أو التدافعية، مؤكدا علي هذه الحقيقة بقوله: « .. ولقد يحدث أن تلم بالمجتمع ظروف أليمة، كأن يحدث فيضان، أو تقع حرب فتمحو منه عالم الأشياء محوا كاملا، أو تفقده إلي حين ميزة السيطرة عليه، فإذا حدث في الوقت ذاته أن فقد المجتمع السيطرة علي عالم الأفكار كان الخراب ما حقا، أما إذا استطاع أن ينقذ أفكاره فإنه قد أنفذ كل شي ء، إذ إنه يستطيع أن يعيد بناء عالم الأشياء .. » 2.
لأن الزاد الحقيقي وثروة المجتمع هي في عالم الأفكار، لا في عالم الأشياء المكدسة، ولو كانت حديثة الصنع، والعالم الإسلامي منذ تعثره الحضاري يملك الأشياء والوسائل، ولكنه يفتقر إلي عالم الأفكار، ففقره إذن في فكره لا في وسائله، لأن: « .. المجتمع المختلف ليس موسوما حتما بنقص في الوسائل المادية، وإنما بافتقارة للأفكار يتجلي بصفة خاصة في طريقة استخدامه الوسائل المتوفرة لديه، بقدر متفاوت من الفاعلية .. » 3.
والملاحظ علي العالم الإسلامي أنه يتمتع بأراض واسعة وخصبة جدا وهي أفضل وسيلة لإقلاع مجتمع متخلف من مرحلة البدائية إلي مرحلة أخري. والأمثلة علي ذلك غني السودان والعراق والجزائر، ولكنهم لم يقلعوا عن التخلف، لأنهم فقراء في الأفكار4.
(1) ميلاد مجتمع، مالك بن نبي، ص 37.
(2) المصدر النفسه، ص 37.
(3) المصدر النفسه، ص 36.
(4) المصدر النفسه، ص 37، يتصرف.