الصفحة 8 من 378

-الأستاذ الكبير الأديب البارع مصطفي صادق الرافعي (ت:1356هـ - 1937م) :

جاء في ترجمته أنه «أصيب بصمم، فكان يكتب له ما يراد مخاطبته به» 1.

وذلك أنه في السنة السابعة عشرة من عمره أصابه مرض «التيفوئيد» فلازم فراشه شهورا، فما نجا منه إلا وقد ترك في أعصابه أثرا كان حبسة في صوته، ووقرا في أذنيه من بعد2.

ومع ذلك فقد كتب الكثير وأبدع شعرا ونثرا ودراسات، كما هو معلوم.

ومن الظروف الصعبة التي ألمت بالعلماء ولم تمنعهم من العمل العلمي، والاشتغال بما ينفعهم وينفع المسلمين: ظروف الخوف في زمن الحروب والفتن والقلاقل.

وأضرب علي ذلك مثالا بالإمام أبي الخير محمد ابن الجزري (751 - 833هـ) :

وتأليفه لكتابه المشهور «الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين» إذ نقرأ في آخره: «فرغت من ترصيف هذا «الحصن الحصين ... » يوم الأحد بعد الظهر، الثاني والعشرين من ذي حجة الحرام، سنة إحدي وتسعين وسبع منة، بالمدرسة التي أنشأتها برأس عقبة الكتان داخل دمشق المحروسة - حماها اللّه تعالي من الآفات، وسائر بلاد المسلمين -.

هذا، وجميع أبواب دمشق مغلّقة، بل مشيدة بالأحجار، والخلائق يستغيثون علي الأسوار، والناس في جهد عظيم من الحصار، والمياه مقطوعة، والأيدي إلي اللّه تعالي بالتضرع مرفوعة، وقد أحرق ظواهر البلد، ونهب أكثره، وكلّ أحد خائف علي نفسه وماله وأهله، وجل من ذنوبه وسوء أعماله، وقد تحصن بما يقدر عليه، فجعلت هذا حصني، وتوكلت علي اللّه، وهو حسبي ونعم الوكيل» 3.

وقد ذهب الخوف وبقي الكتاب، وانتفع به المسلمون، وما يزالون ينتفعون.

وهناك أمثلة أخري ولا أطيل بها.

(1) الأعلام (7/ 235) ، و معجم المفسرين (2/ 677) .

(2) حياة الرافعي للعريان (ص 28 - 29) .عن مصطفي صادق الرافعي للكوفحي (ص 16) .

(3) الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين، (ص 173) .و انظر ما قاله في مقدمته (ص 24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت