الصفحة 89 من 378

وكان نفيهم منصبّا علي اللفظ المستعمل للتعليل وهو «الغرض» الذي لاح من مقولة المعتزلة في وجوب فعل «الأصلح» فلم يستسغه الأشاعرة لأنه يوحي بالنفع وبالنقض في جنب اللّه تعالي علوا كبيرا، وقد شرح الزركشي مراد من نفي تعليل الأحكام من الأشاعرة فقال: «مذهب أهل السنة أن أحكامه تعالي غير معللة بمعني أنه لا يفعل شيئا لغرض، ولا يبعثه شي ء علي فعل شي ء، بل هو اللّه قادر علي إيجاد المصلحة بدون أسبابها، وأعدام المضار بدون دوافعها» 1.و لكن الذين نسبوا الأشاعرة إلي نفي تعليل الأفعال نقلوا عنهم أمثال تلك الأقوال المصرحة بنفي التعليل وعزلوها عن سياقها، والناظر فيها يجد أنهم قد نفوا تعليل الأفعال وكان هذا في أول الأمر ولم يصحب بتفسير، ولكنّ وجد منهم أخيرا من أقر بالتعليل في الأفعال وفصّل مراد الأشاعرة الأوائل وبين أن قصدهم بالنفي هو نفي وجوبه علي اللّه ردا علي المعتزلة القائلين بالوجوب، ونفيا للتعليل المفضي إلي الغرض الذي هو من آثار العلة العقلية وهو صنيع الإمام الجويني والغزالي والآمدي وغيرهم من متأخري الأشاعرة.

وشفاء ما بالصدور يصدع به الزركشي حيث يقول: «الحق أن رعاية الحكمة لأفعال اللّه وأحكامه جائز واقع ولم ينكره أحد، وإنما أنكرت الأشعرية العلة والغرض، والتحسين العقلي، ورعاية الأصلح، والفرق بين هذه ورعاية الحكمة واضح، ولخفاء الغرض وقع الخيط» 2.ثم أزاح الإشكال عن المتكلمين في نفي الحكمة في أفعال اللّه، وما أثبته الفقهاء في القول بتعليل أحكام المكلفين حيث قال: «و اعلم أن مذهب أهل السنة أن أحكامه تعالي غير معللة بمعني أنه لا يفعل شيئا لغرض ... وقال الفقهاء: الأحكام معللة، ولم يخالفوا أهل السنة بل عنوا بالتعليل الحكمة» 3.و قال ابن التلمساني لما كان يتكلم عن المناسبة: «و مبناها علي ثلاث مقدمات: أولاها - و هي أقواها:أنه ثبت أن أفعال اللّه

(1) البحر المحيط في أصول الفقه، الزركشي، 5/ 123.

(2) المرجع السابق، 5/ 124.

(3) المرجع السابق، 5/ 123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت