فعبارات كبار المحققين من أمثال الزركشي، وابن التلمساني، ومحمد الطاهر ابن عاشور صرحت أن الأشاعرة لم قصدوا نفي مبدأ التعليل بل نفوا الغرض والعلل الغائية، فيكون الجدل ومحل النزاع في التعليل قائما علي اللفظ اللائق لتعليل أفعال اللّه ولم يقم حول ذات التعليل، فإن أضيف إلي هذه التصريحات كلام بقية العلماء من أمثال ابن تيمية، وابن الوزير وغيرهم صار الأمر آكد علي اتفاق أهل السنة بما فيهم الأشاعرة علي تعليل أفعال اللّه.
وعلي هذا يمكن أن نتصور مسألة التعليل في الأفعال قد مرت بالمراحل الآتية:
-في البداية استحدثها المتكلمون فقام الخلاف فيها أولا.
-هذا الخلاف آل إلي وفاق عند الأشاعرة أنفسهم حيث تولوا حسمه قبل أن يستدرك عليهم المستدركون.
-ثبوت تعليل الأفعال والأحكام عند الأشاعرة بعد درء التناقض الظاهري، ووقوع التصريح منهم بالتعليل في الموضعين بعد زوال المحذور.
-أضحت القضية محسوسة عند الأشاعرة بإثبات التعليلين، وتولي غيرهم من المدارس الأخري إنصافهم، وعليه لا يصح نسبة الأشاعرة إلي نفاة التعليل.
فصار الأمر محسوما باتفاق الجمهور علي تعليل الأفعال والأحكام جميعا، لذا نقل الآمدي، وابن تيمية، والزركشي، والشاطبي إجماع العلماء علي ذلك 1.
أما الآراء الحديثة التي تروّج نفي تعليل الأفعال عند الأشاعرة فقد اعتمدت كلام الرازي في أغلب كتبه الكلامية ورأي أتباعه من أمثال البيضاوي وابن السبكي، ثم عممته علي الأشاعرة من غير تحقيق في المسألة، وهنا أسجل أمورا منها:
(1) الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي، 3/ 223، 258، و منهاج السنة، ابن تيمية، 1/ 61، البحر المحيط، الزركشي، 5/ 124، و الموافقات، الشاطبي، 2/ 6.