الصفحة 93 من 378

أولا: موقف الريسوني من الشاطبي في التعليل

1 -عرض الموقف: ذكر الشاطبي في «الموافقات» أن مسألة التعليل مسلّمة1، ومجمع عليها ولم يخالف ذلك إلا الرازي. وهذه عبارته: «و لنقدم قبل الشروع في المطلوب مقدمة كلامية مسلّمة في هذا الموضوع، وهي أن وضع الشرائع إنما هو مصالح العباد في العاجل والآجل معا، وهذه دعوي لا بد من إقامة البرهان عليها صحة وفسادا، وليس هذا موضع ذلك، و قد وقع الخلاف فيها في علم الكلام، وزعم الرازي أن أحكام اللّه ليست معللة بعلة البتّة كما أن أفعاله كذلك، و أن المعتزلة اتفقت علي أن أحكامه تعالي معللة برعاية مصالح العباد، وأنه اختيار أكثر الفقهاء المتأخرين، ولما اضطر في علم أصول الفقه إلي إثبات العلل للأحكام الشرعية أثبت ذلك علي أن العلل بمعني العلامات المعرّفة للأحكام خاصة» 2.

لكن أحمد الريسوني 3استغرب من الشاطبي نسبة الرازي إلي نفاة التعليل، ورأي أنه متناقض بهذا مع ما صرح به من أن مسألة التعليل مسلّمة ومجمع عليها، وعبارة الريسوني في ذلك: «فقد وصف هذه المقدمة بأنها «مسلمة» وهذا يعني أنه لا خلاف فيها، ومع ذلك فقد احتاج إلي القول: «و هذه دعوي لا بد من إقامة البرهان عليها صحة أو فسادا» وليس هذا شأن المسلّمات، ثم لست أدري ما عني بقوله «و ليس هذا موضع ذلك» ؟ مع أن هذا هو أنسب موضع لذلك. ثم هو قد أقام البرهان فعلا علي صحة القضية، وإن كان بإيجاز شديد، ولعله يشير إلي أن البراهين المفصلة للمسألة ستأتي مبثوثة في مواضع أخري من الكتاب. ثم استمر في مناقضة قوله: «مسلّمة» فذكر أن هذه المسألة: «قد وقع الخلاف

(1) هي القضية التي تسلم من الخصم يبني عليها الكلام لدفعه سواء كانت مسلّمة فيما بينهما أو بين أهل العلم، وهي جنس لعدة أصناف من القضايا: الافتراضات، الأوليات، البديهيات، المصادرات، الأوضاع، وعليه فكل واحدة من هذه القضايا مسلّمة وليس كل مسلّمة بمصادرة، أو أصل موضوع (الوضع) ، المعجم الفلسفي، جميل صليبا، 2/ 372 - 373.

(2) الموافقات، الشاطبي، 2/ 6.

(3) باحث معاصر مغربي صاحب كتاب «نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي» الذي نشره المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت