ذلك أن وِجْدانك الشىء على وضع من الأوضاع إنما يعنى إدراكك له على هذا الوضع رؤيةً أو سماعًا أو شمًّا أو لمسًا أو شعورًا باطنيًّا أو استدلالا عقليًّا كما في العبارات التالية:"نظرتُ فوجدتُه قائما"، أو"حينما اقتربتُ من الحجرة وجدتُه يغنى"، أو"قرّبت الزهرة من أنفى فوجدتها مسكيّة العبير"، أو"احتكت يدي بالحائط فوجدته خشن الملمس"، أو"وجدتُ وقع إهانته لي عنيفا"، أو"أعاد العلماء النظر في هيئة الأرض فوجدوها أقرب إلى شكل الكرة"، ثم سواء عليك بعد هذا أكان هو فعلا في الواقع والحقيقة كذلك أم لا. وفى ضوء ما قلناه نقرأ قول الزبيدى صاحب"تاج العروس":"وقال المُصَنّف في البصائرِ نقلًا عن أَبي القاسم الأَصبهانيّ: الوُجُودُ أَضْرُبٌ، وُجُودٌ بِإِحْدى الحَوَاسِّ الخَمْسِ، نحو: وَجَدْتُ زَيْدًا وَوَجَدْتُ طَعْمَه ورائحتَه وصَوتَه وخُشُونَتَه، ووجُودٌ بِقُوَّةِ الشَّهْوَةِ نحو: وَجَدْتُ الشبع ووجوده أيده الغضب كوجود الحَرْبِ والسَّخَطِ، ووُجُودٌ بالعَقْل أَو بِوسَاطَة العَقْلِ، كمَعْرِفَة الله تعالى، ومَعْرِفَة النُّبُوَّةِ. وما نُسِب إِلى الله تعالى مِن الوُجُود فبمَعْنَى العِلْمِ المُجَرَّدِ، إِذ كان اللهُ تعالَى مُنَزَّهًا عن الوَصْفِ بالجَوَارِحِ، والآلاتِ، نحو قولِه تَعالى:"وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ"، وكذا المعدوم يقال على ضِدّ هذه الأَوْجُهِ. ويُعَبَّر عن التَمَكُّنِ من الشيءِ بالوُجُودِ نحو:"فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ"أَي حَيْثُ رَأَيْتُمُوهُم، وقوله تعالى:"إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ"، وقوله:"وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ للشَّمْسِ"وقوله:"وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ"، ووجود بالبصيرة، وكذا قوله:"وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا"وقوله:"فَلَمْ تَجِدُوا
مَاءً فَتَيَمَّمُوا"، أَي إِن لم تَقْدِروا على الماءِ".
ولقد كفانا مؤنة المضىّ أبعد من ذلك (على كفايته في حد ذاته) كاتبان ألّفا بحثا عثرت عليه في المشباك بعنوان:"Islam and the Setting of the Sun: Examining the traditional Muslim View of the Sun's Orbit"يهاجمان فيه القرآن ويزعمان أن الرسول حين قال ما قال في الآية التي نحن بإزائها هنا إنما كان يقصد فعلا أن الشمس تغرب في عينٍ حمئةٍ على حرفية معناها، ومع هذا فقد بدءا كلامهما بالقول بما معناه أن تعبيرا مثل التعبير الذي في الآية الكريمة لا يدل بالضرورة على أن صاحبه قد اجترح خطأ علميا أو أنه يعتقد أن الشمس تغرب فعلا في العين. ثم أضافا أننا، حتى في عصرنا هذا حيث يعرف الجميع تمامًا أن الشمس في الواقع لا تشرق ولا تغرب، ما زلنا نقول إنها تشرق وتغرب. والكاتبان هما: Sam Shamounnو Jochen Katz، وهذا نَصّ ما قالاه: