نلاحظ أن سيدنا يوسف يستخدم في دعوته لفظ الجلالة (الله) ، دون كلمة (رب) ، ذلك أن اسم (الله) جامع لأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، ففيه صفات العظمة والجلال وصفات الفعل والقدرة والقوة وصفات العدل و الإحسان والجود وصفات الإعزاز والإذلال والقهر.. وغير ذلك من صفاته تعالى.
وهذا توازن في الدعوة إلى الله التي يفترض فيها أن تجمع بين الترغيب و الترهيب. وكلمة (الربّ) تحمل معاني التربية والرعاية والقوامة وهذه كلها تندرج في أبواب الرحمة، أي الترغيب.
بعد أن دعا سيّدنا يوسف الفتيين إلى عبادة الله وتوحيده عاد إلى ما سألاه عنهمن تأويل الرؤيا. ولما انتهى من تأويل رؤياهما (قَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ) أي عند سيدك. لكن الساقي نسي ذكر يوسف لدى سيّده (فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) .
وسبب بقائه في السجن ـ حسب ما رأى المفسرون ـ أنه التمس النجاة من محنته هذه في أن يذكره ساقي الملك عند سيّده، عله ينظر في أمره ويخرجه من السجن، ولم يسأل الله تعالى النجاة من هذه المحنة (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) .
ولعلنا نلاحظ هنا أن الله تعالى أراد أن يعلم سيدنا يوسف ألا يلتجئ في محنه إلا إلى ربه الذي حفظه ونجاه من محنه السابقة كلها، فأبقاه في السجن بضع سنين تعليمًا وتأديبًا، والتأديب جزء من التربية التي تلقاها يوسف عن ربه.
بعد أن لبث يوسف عليه السلام في سجنه ـ تعليمًا وتأديبًا ـ بضع سنين، يأتي سؤال الملك عمن يؤول رؤياه ليخرج الله سيدنا يوسف من السجن، وليظهر براءته في أمره مع امرأة العزيز والنسوة اللواتي قطعن أيديهن، وليجعله على خزائن الأرض.
وهكذا يهبه (ربه) بما علمه من تأويل الأحاديث مجدًا وعزة، وقوة وسلطانًا، وهو الذي دخل مصر عبدًا يباع بثمن زهيد.
لقاء يوسف (عليه السلام) بأبويه وإخوته:
تدور الأحداث ويلتقي سيدنا يوسف بأبويه وإخوته (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا) ويأتي اعتراف يوسف عليه السلام بفضل ربّه عليه، ورعايته له، وحفظه إياه، في مراحل حياته كلها ووقف أمام ما آلت إليه الأمور (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)
ثم يتوجه إلى صاحب الفضل، إلى ربه، بالشكر والحمد والدعاء بأن يتوفاه مسلمًا ويلحقه بالصالحين، فتأتي الآية الأخيرة في قصة سيدنا يوسف (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) .
إنه سيدنا يوسف الذي اجتباه الله سبحانه وتعالى، وعلمه، وأتم نعمته عليه، يقف أمام ربه خاشعًا، خاضعًا، متذللًا، يقر باستمرارية الحاجة إليه، وافتقاره إلى رحمته، وفي هذا عرفان بالجميل وإقرار بالفضل، لا يصدر إلا عمن أدَّبه الله تعالى فأحسن تأديبه.
الباحث ياسر محمود الأقرع
الدكتور فاضل السامرائي
سأل سائل عن قوله تعالى:
(وإذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها وتركوك قائمًا قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين) [الجمعة]
لم قدمت التجارة على اللهو أولًا فقال: (وإذا رأوا تجارة أو لهوًا) وأخرها عنه بعد فقال: (خير من اللهو ومن التجارة)
والجواب والله أعلم أن سبب تقديم التجارة على اللهو في قوله: (وإذا رأوا تجارة أو لهوًا) أنها كانت سبب الانفضاض ذلك أنه قدمت عير المدينة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، وكان من عرقهم أن يدخل بالطبل والدفوف والمعازف عمد قدومها فانفض الناس إليها ولم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلًا فأنزل الله قوله: (وإذا رأوا تجارة...) [1] .
فقدمها لأنها كانت سبب الانفضاض وليس اللهو، وإنما كان اللهو والضرب بالدفوف بسببها فقدمها لذلك. ولهذا أفرد الضمير في (إليها) ولم يقل (إليهما) لأنهم في الحقيقة إنما انفضوا إلى التجارة وكان قد مسهم شيء من غلاء الأسعار.
وأما تقديم اللهو عليها فيما بعد في قوله: (قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة) فذلك لأن اللهو أعم من التجارة، فليس كل الناس يشتغلون في التجارة ولكن أكثرهم يلهون. فالفقراء والأغنياء يلهون، فكان اللهو أعم فقدمه لذلك إذ كان حكمًا عامًا فقدم التجارة في الحكم الخاص لأنها في حادثة معينة وقدم اللهو في الحكم العام لأنه أعم. ولأنها مناسبة لقوله: