يُنتصف له يوم القيامة ... حيث يُحشر الجميع بين يدي الله ... الظالم والمظلوم..
فقد يكون القاتل هو المظلوم .. والمقتول هو الظالم ...
ولهذا جاء التعبير الإعجازي في الآية الثانية
"لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ".
قضية الإعجاز البياني بدأت تفرض وجودها على العرب من أول المبعث ، فمنذ تلا المصطفى عليه الصلاة و السلام في قومه ما تلقى من كلمات ربه ، أدركت قريش ما لهذا البيان القرآني من إعجاز لا يملك أي عربي يجد حسَّ لغته و ذوقها الأصيل ، سليقة و طبعًا ، إلا أن يسلم بأنه ليس من قول البشر.
من هنا كان حرص طواغيت الوثنية من قريش ، على أن يحولوا بين العرب و بين سماع هذا القرآن . فكان إذا أهل الموسم و آن وفود العرب للحج ، ترصدوا لها عند مداخل مكة ، و أخذوا بسبل الناس لا يمر بهم أحد حذروه من الإصغاء إلى ما جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من كلام قالوا إنه السحر يفرق بين المرء و أبيه و أخيه ، و بين المرء و زوجه وولده و عشيرته .
و ربما وصلت آيات منه إلى سمع أشدهم عداوة للإسلام، فألقى سلاحه مصدقًا و مبايعًا ، عن يقين بأن هذه الكلمات ليست من قول البشر.
حدثوا أن"عمر بن الخطاب"خرج ذات مساء متوشحًا سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم و رهطًا من أصحابه ، في بين عنده"الصفا"سمع أنهم مجتمعون فيه ، فلقيه في الطريق من سأله:
ـ أين تريد يا عمر ؟
أجاب: أريد محمدًا هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش و سفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتا ، فأقتله .
قال له صاحبه:
ـ غرتك نفسك يا عمر ! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض و قد قتلت محمدًا ؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ؟
سأله عمر ، وقد رابه ما سمع:
ـ أي أهل بيتي تعني؟
فأخبره أن صهره و ابن عمه"سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل"قد أسلم .
و كذلك أسلمت زوجته ، أخت عمر"فاطمة بنت الخطاب".
فأخذ"عمر"طريقه إلي بيت صهره مستثار الغضب ، يريد أن يقتله و يقتل زوجته فاطمة . فما كاد يدنو من الباب حتى سمع تلاوة خافتة لآيات من سورة طه ، فدخل يلح طلب الصحيفة التي لمح أخته تخفيها عند دخوله ....
و انطلق من فوره إلي البيت الذي اجتمع فيه المصطفى بأصحابه ، فبايعه ، وأعز الله الإسلام بعمر ، وقد كان من أشد قريش عداوة للإسلام و حربًا للرسول . [سيرة بن هشام ] .
و في حديث بيعة العقبة ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم ندب صاحبه"مصعب بن عمير"ليذهب مع أصحاب العقبة إلى يثرب ، ليقرئهم القرآن و يعلمهم الإسلام . فنزل هناك على"أسعد بن زراة"الأنصاري الخزرجي .
فحدث أن خرجا يومًا إلى حي بني عبد الأشهل رجاء في أن يسلم بعض القوم . فما سمع كبير الحي"سعد بن معاذ ، و أسيد بن حضير"بقدم مصعب و أسعد ، ضاقا بهما و أنكرا موضعهما من الحي ، قال سعد بن معاذ لصاحبه أسيد بن حضير:"لا أبا لك ! انطلق على هذين الرجلين فأزجرهما و انهما عن أن يأتيا دارينا . فإنه لولا أن أسعد بن زرارة منى حيث علمت ، كفيتك ذلك: هو ابن خالتي و لا أجد عليه مقدمًا".
و التقط أسيد بن حضير حربته ومضى إلى صاحبي رسول الله فزجرهما متواعدًا:
ـ ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلانا إن كانت لكما بنفسيكما حاجة .
قال له مصعب بن عمير:
ـ أو تجلس فتسمع ، فإن رضيت أمرًا قبلته ، و إن كرهته كُفَّ عنك ما تكره ؟
فركَّز أسيد حربته و اتكأ عليها يصغي إلى ما يتلو مصعب من القرآن . ثم أعلن إسلامه من فوره ، وعاد إلى قومه فعرفوا أنه جاء بغير الوجه الذي ذهب به . و ما زال أسيد بسعد بن معاذ حتى صحبه إلى ابن خالته أسعد بن زرارة ، فبادره سعد سائلًا في غضب و إنكار:
"يا أبا أمامة ، لولا ما بيني و بينك من القرابة ما رمت هذا مني . أتغشانا في دارنا بما نكره ؟".
ولم يجب أبو أمامه ، بل أشار على صاحبه"مصعب"الذي استهل سعد بن معاذ حتى يسمع منه ، ثم تلا آيات من معجزة المصطفى ، نفذت إلى قلب ابن معاذ فمزقت عنه حجب الغفلة و غشاوة الضلال . و أعلن إسلامه و عاد إلى قومه فسألهم: يا بني عبد الأشهل ، كيف تعلمون أمري فيكم ؟
أجابوا جميعًا: سيدنا ، و أفضلنا رأيًا ، و أيمننا فيكم ؟
فأجابوا جميعًا: سيدنا ، وأفضلنا رأيًا ، و أيمننا نقيبة .
فعرض عليم الإسلام"فو الله ما أمسى في حي بني عبد الأشهل رجل أو امرأة إلا مسلمًا و مسلمة" [سيرة بن هشام ] .
هل فرض القرآن إعجازه على هؤلاء الذين استنارت بصائرهم فآمنوا بمعجزة المصطفى بمجرد سماعهم آيات منها ، دون غيرهم ممن لجوا في العناد و التكذيب ؟
إن القرآن لم يفرض إعجازه البياني من أول المبعث ، على هؤلاء الذين سبقوا إلى الإيمان به فحسب ، بل فرضه كذلك على من ظلوا على سفههم و شركههم ، عنادًا و تمسكًا بدين الآباء و نضالًا عن أوضاع دينية و اقتصادية و اجتماعية لم يكونوا لم يكونوا يريدون لها أن تتغير .