فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 503

أ. د/ كريم حسنين إسماعيل

(1) - هذه الأرقام تشير إلى مراجع البحث، وهي مذكورة في ختام الكلا

بقلم ياسر محمود الأقرع

لم يكن أسلوب التوكيد في كلام العرب - على كثرته - لونًا من ألوان الزينة، أو شكلًا من أشكال الحشو الذي يرهق النص ويثقله بما لا فائدة منه ولا جدوى. وإنما هو ركن من أركان البناء اللغوي والبياني الذي ذخرت به النصوص العربية شعرًا ونثرًا. فالعرب لا تؤكد كلامها إلا إذا كان المخاطب في حاجة إلى ذلك، وتأتي بمؤكد واحد إن كان المخاطب مترددًا في تصديق ما يقال أو ظنَّ ذلك منه، في حين تأتي بأكثر من مؤكد _ وقد تشفع ذلك بالقسم _ إن كان المخاطب منكرًا ما يسمع كل الإنكار أو ظنَّ منه ذلك.

سنتوقف في بحثنا هذا أمام آيات من سورة يوسف (عليه السلام) نعرض خلالها مواقف من القصة، في محاولة منا لتلمس الوجه البياني الذي يمثله أسلوب التوكيد في السورة.

ولنقف قبلًا أمام قوله تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وفيه أول ما جاء مؤيدًا بالتوكيد في سورة سيدنا يوسف (موضوع بحثنا) .

ذكر الله تعالى إنزال القرآن مؤكدًا بـ (إنَّ) ذلك أن كفار مكة - ومنهم اليهود الذين سألوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يقص عليهم قصة يوسف (عليه السلام) - كانوا يطعنون بصدق نبوته، وبأن القرآن هو كتاب منزل من الله تعالى. لذلك، وقبل البدء في القصة التي طلبوا سماعها من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، جاء ذكر إنزال القرآن بأنه من عند الله مؤكدًا بـ (إنَّ) ، لنفي ما زعموه، وتسفيه ما ظنّوه.

أضف إلى ذلك أن إنزال القرآن الكريم على النبي (صلى الله عليه وسلم) أمر غيبي، والغيبيات تحتاج إلى ما لا تحتاجه المحسوسات من التوكيد، إذ يأتي التوكيد - عند ذكرها - رفعًا للشبهة ودفعًا للظنّ، ودرءًا للخاطر إن جاء مشككًا أو منكرًا.

وانظر في قوله تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) وقد جاء دون توكيد، إذ الأمر هنا ليس أمرًا غيبيًا، بل هو أمر محسوس يحمل في ذاته دلائل مصداقيته، وذلك في قصص القرآن الكريم كلها ومنها قصة يوسف (أَحْسَن الْقَصَصِ) ، فلا حاجة إذًا للتوكيد، ما دام المثال ظاهرًا، والدليل قائمًا.

ولما أراد الله تعالى أن يخبرنا أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يكن يعرف شيئًا عن قصة يوسف (عليه السلام) جاء بلام التوكيد في قوله: (وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) وذلك دفعًا لأي شك أو تردد في شأن معرفة النبي (صلى الله عليه وسلم) بهذه القصة قبل نزول القرآن عليه، فأكد غفلته عن الأمر تأكيدًا لا يغضّ من قدر رسوله، بل يدل على صحة نبوته وصدق دعوته (صلى الله عليه وسلم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت