وسيدنا يعقوب (عليه السلام) لم يؤكد خوفه على يوسف من أن يأكله الذئب لأنه كان على ثقة بأن ذلك لن يحدث،فسيّدنا يوسف قد اجتباه الله لحمل رسالته، وسيعلمه من تأويل الأحاديث، ويتم نعمته عليه (حسب تفسير الرؤيا) ولا سبيل إلى ذلك كله إن أكل الذئب يوسف (عليه السلام) ، لذا جاء كلامه حول هذا الأمر دون توكيد، وإنما ساق هذا العذر (خوفه على يوسف من الذئب) ليدفع عن أولاده ظنّهم عدم الثقة بهم، لعل هذا العذر يتيح له إبقاء يوسف عنده.
الغريب في الأمر أن إخوة يوسف تركوا قضية حزن أبيهم على فراق يوسف (وهي مؤكدة) وردّوا على قضية خوفه من أن يأكله الذئب، التي جاءت دون توكيد فـ (قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ) وتأمل مؤكدات الجملة:
(لئن) ويرى النحاة أنها تدل على قسم محذوف، و (إنَّ) واللام في قولهم (لخاسرون) . وهذه المؤكدات كلها جاءت في معرض الردّ على تخوّف أبيهم من أن يأكل الذئب يوسف، فأفرطوا في توكيد نفي حدوث هذا الأمر حتى يطمئنوا أباهم فيرسل أخاهم معهم.
ولعل في هذه المؤكدات ما يدل على أنهم بيّتوا هذا العذر من قبل، وذلك وقت اتفاقهم على طريقة التخلص من أخيهم، فلما لامس سيدنا يعقوب - بذكره الخوف من الذئب - ما كانوا بيّتوه في أنفسهم، جاء ردّهم أكثر توكيدًا في نفي حدوث هذا الأمر، إذ من غير المعقول أن يتفق إخوة يوسف (عليه السلام) على كيفية التخلص منه، دون الاتفاق على ما سيقولونه لأبيهم عند عودتهم إلى البيت دون أخيهم، وربما اقتضى البيان الإلهي عدم ذكر اتفاقهم هذا كونه سيأتي فيما بعد في سياق القصة، فلا حاجة لتكراره... والله أعلم.
تأتي لحظة إلقاء يوسف (عليه السلام) في غيابة الجب، وهو طفل صغير، ويأتي وحي الله مبشرًا إياه بالنجاة من محنته (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) وقد جاءت البشرى مؤكدة بقسم محذوف قبل (لتنبئنّهم) دلت عليه اللام الواقعة في جواب القسم، كما جاء الفعل مؤكدًا بنون التوكيد الثقيلة، وما هذه المؤكدات في هذا الوقت الحرج إلا زيادة في بث الطمأنينة في نفس يوسف بأن نجاته من محنته أمر كائن لا محالة، وتوكيد الأمر أدعى إلى الثقة والاطمئنان.
ويرجع إخوة يوسف حاملين إلى أبيهم عذرهم (قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) ، ولئن جاء ذكر ذهابهم للاستباق مؤكدًا بـ (إنّ) فإن الجملة ما دون ذلك خلت من المؤكدات. ويبدو الأمر غريبًا، إذ كيف لا يكون عذرهم حافلًا بالمؤكدات، في قضية يقف فيها أبوهم موقف المنكر،غير المصدّق، ويقفون أمامه موقف المذنب الذي يحتاج إلى إثبات باطل أتى يحمله!؟
في ذلك نقول: إن إخوة يوسف كانوا واثقين من أن وسائل التوكيد، التي قد يلجؤون إليها في كلامهم، عاجزة عن إقناع أبيهم بما جاؤوا به، ولذلك اتبعوا قولهم (فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) قولهم (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) أي لن ينفعنا أن نؤكد كلامنا أو نشفعه بالقسم، دعمًا لحجتنا وتأييدًا لقولنا، لذا (جَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) أي هذا دليل ملموس (حسب زعمهم) لعله _ مع نفاد الحجج الكلامية _ يقنع أباهم بما يزعمون. وبما أنهم حملوا دليلًا محسوسًا، فلا حاجة إذًا لوسائل توكيد القول التي لن تجدي _ في هذه القضية _ نفعًا أو تؤيد _ في هذا الموقف _ قولًا.
وجاءت سيارة، وحُمل يوسف (عليه السلام) إلى مصر، ليباع عبدًا، وينشأ في بيت العزيز.
يوسف (عليه السلام) وامرأة العزيز
ولما بلغ أشده أخذت امرأة العزيز تراوده عن نفسه،غير أن سيدنا يوسف الذي اجتباه الله لحمل رسالته ما كان له أن يقع في الخطيئة فـ (قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) ، وقد جاء ردّه هذا مؤكدًا بـ (إنّ) في موضعين:
إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ: إن سيدي أكرمني وأحسن إقامتي عنده وأنعمعليّ. وتمثل هذه الجملة (المقدمات)
إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ: إنّ الإساءة إلى من أحسن إليّ ظلم،عاقبته الخيبة والخسران.وتمثل هذه الجملة (النتائج) .
و القولان جاءا مؤكدين بـ (إنّ) .
إذًا، إن المقدمات التي جاءت مؤكدة لا شك ستفضي إلى نتائج مؤكدة أيضًا. وهذا كله من باب إقناع امرأة العزيز بالحجة والمنطق، وهو في الآن ذاته شريعة الله القائمة على العدل، ولو خلت إحدى الجملتين من التوكيد لاختلّ التوازن بين المقدمات والنتائج.
لكن امرأة العزيز أصرّت على ما عزمت عليه (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) والجملة مؤكدة بـ (لقد) التي تدل على قسم محذوف قبلها، وهذا التوكيد المؤيد بالقسم دليل على أن الأمر قد حدث دون شك، وأنّ امرأة العزيز قد همّت بيوسف حقيقة.
ويأتي قوله تعالى (وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) وهذه الجملة تنفي الأمر عن سيدنا يوسف من ناحيتين: