البحار التي يُستخدم ماؤها لإخماد النار سوف تلتهب... تُسَجَّر... وتُفَجَّر، هذه إحدى الحقائق عن يوم القيامة. ولنسأل هل يوجد بلغة الأرقام ما يصدق هذه الحقيقة؟ نلجأ إلى كتاب الله ونبحث عن كلمة (البحار) ، كم مرة تكررت في كامل القرآن؟ الجواب بسيط، مرتين في سورتين:
1ـ (وَإِذَا الْبِحَارُسُجِّرَتْ) [التكوير: 81/6] .
2ـ (وَإِذَا الْبِحَارُفُجِّرَتْ) [الانفطار: 82/3] .
ولا ننسى أن كلمة (البحار) في القرآن لم تستخدم إلا للحديث عن يوم القيامة. ونلاحظ تسلسل الآيتين في القرآن يتناسب مع المفهوم العلمي: فأولًا يكون الاشتعال ثم الانفجار وليس العكس، فجاء تسلسل الآيتين أولًا (سُجِّرت) وثانيًا (فُجِّرت) ، وهذا مطابق للحقائق العلمية الحديثة.
الأرض يوم القيامة؟
هذه الأرض التي نراها ثابتة ومستقرة سوف تهتزُّ وترجُف يوم القيامة. وهذه حقيقة مستقبلية لاشك فيها، وما لغة الأرقام والنظام الرقمي إلا دليل قوي جدًا على صدق كلام الله تعالى. تكررت كلمة (تَرْجُف) مرتين بالضبط في كامل القرآن في سورتين:
1ـ (يَوْمَ تَرْجُفُالْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا) [المزمل: 73/14] .
2ـ (يَوْمَ تَرْجُفُالرَّاجِفَةُ) [النازعات: 79/6] .
إذن كلمة (تَرْجُفُ) تسبقها دائمًا كلمة (يوم) ليؤكد لنا الله تعالى أن الأرض ستهتز وترجف في ذلك اليوم ـ يوم القيامة. فجاء التسلسل الزمني مطابقًا لتسلسل الآيتين: الآية الأولى تحدثت عن اهتزاز الأرض، ثم في الآية الثانية تحدث الله عن اهتزاز الأرض المهتزة أصلًا، وهذا لزيادة الاهتزاز والارتجاف.
لنعد إلى التساؤل التقليدي: مَن الذي وضع هذه الكلمة في هاتين السورتين؟ ومَن الذي حدَّد استخدام هذه الكلمة بما يخصّ يوم القيامة وليس أي شيء آخر؟ أليس هو رب السماوات السبع ورب العرش العظيم؟
السراج المنير
في كتاب الله تعالى لكل كلمة خصوصيتها, ومن بين الكلمات الكثيرة كلمة (منيرًا) التي تكررت مرتين في كامل القرآن في الآيتين:
1ـ (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا) [الفرقان: 25/61] .
2ـ (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا) [الأحزاب: 33/46] .
في الآية الأولى الحديث عن القمر والشمس, أما الآية الثانية فتتحدث عن الرسول , وكأن الله يريد أن يقول لنا إن الرسول الكريم هو بمثابة الشمس والقمر للمخلوقات. فكما أن الإنسان لا يستطيع العيش من دون الشمس والقمر كذلك لا يمكن للمؤمن أن يحيا من دون تعاليم وأخلاق ودعوة الرسول . وهذا الترتيب للآيتين يثبت أن القرآن من عند الله.
البعد الزمني للكلمة القرآنية
لنتأمل هاتين الآيتين في صفة بني إسرائيل وكيف عبَّر عنهم البيان الإلهي:
1 ـ (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَاوَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ) [البقرة: 2/93] .
2 ـ (مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَاوَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا) [النساء: 4/46] .
إن عبارة سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا لم ترد في القرآن كله إلا في هذين الموضعين وكما نرى الحديث دائما على لسان بني إسرائيل، وكأن الله تعالى يريد أن يقول لنا بأن هذه الكلمة لا تليق إلا بهؤلاء، فهي لم ترد على لسان أي من البشر إلا بني إسرائيل!
هذه الحقيقة نكتشفها اليوم لنعلم حقيقة هؤلاء اليهود الذين حرفوا كلام الله، لذلك جاءت كلمة (وَعَصَيْنَا) لتعبر تعبيرًا دقيقًا عن مضمون هؤلاء. وقد لاحظتُ شيئًا عجيبًا في هاتين الآيتين:
الآية الأولى جاءت بصيغة الماضي قَالُواْ ، فهذا يدل على ماضيهم وتاريخهم في المعصية. ولكي لا يظن أحد أن هذا الماضي انتهى جاءت الآية الثانية بصيغة الاستمراروَيَقُولُونَ للدلالة على حاضرهم ومستقبلهم في معصية أوامر الله تعالى، فهم في حالة عصيان مستمر.
لم يكتفوا بعصيانهم بل أغلقوا قلوبهم وغلفوها بغلاف من الجحود والكفر، ويأتي البيان القرآني ليصف قلوب هؤلاء على لسانهم، ولنستمع إلى هاتين الآيتين:
1 ـ (وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌبَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ) [البقرة: 2/88] .
2 ـ (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌبَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا) [النساء: 4/155] .