فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 503

تأمل بعقلك و خيالك و ذوقك نظم الآية الكريمة أنها مكونة من عشر جمل لو سقط منها شيء اختل التشبيه ، وانظر إلى هذه الجمل تجد كل جملة تعبر عن مشهد من مشاهد الحياة الدنيا ، و قد رتبت ترتيبا عجيبا ً كان كل جملة منها تلد التي تليها ، وقد تكونت كل جملة من طائفة من الكلمات تألفت بأصواتها و ظلالها و أجراسها فعبرت أصدق تعبير عن المشهد الذي استقلت به ، أن نظمها أو حرفا بأخر اختل بمقدار ، بحيث إذا أخرت أو قدمت أو غيرت كلمة بأخرى أو حرفا بآخر اختل المعنى ، و تبعثرت مشاهد الصورة الدنيوية .

قال تعالى:"مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ، لا يقدرون على شيء مما كسبوا" [سورة إبراهيم: 18] .

الذين كفروا في ضياعها ، و ذهابها إلى غير عودة بهيئة رماد تذروه الرياح و تذهب به بددا إلى حيث لا يتجمع أبدأ .

تأمل نظم الآية تجد كل كلمة قارة في مكانها ، مطمئنة في موضعها لا تشكو قلقًا و لا اضطراب ، معبرة في دقة و صدق عن معناها ، و تأمل تناسق الكلمات و تألقها ، و ترتيب الجمل و تعانقها ، و مخارج الحروف و أصواتها ، و إيحاءات الألفاظ و اشاراتها تجد نظمًا عجيبًا لا يقدر عليه إلا خالق الأرض و السماوات .

تأمل كلمة"رماد"إنها توحي بخفة الوزن ، و تأمل ،"اشتدت"فإنها توحي بسرعة الرياح و تأمل كلمة"عاصف"فإنها توحي بالعنف .

و تأمل كيف أبرز لك هذا التشبيه ببديع نظمه الصورة حية متحركة كأنك تراها و تلمسها .

قال تعالى:"و مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مراضاة الله ، وتثبيتًا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل ، فأتت أكلها ضعفين ، فإن لم يصبها وابل فطل"سورة البقرة 265.

شبه القرآن الصدقات التي تنفق ابتغاء مرضات الله في كثرة ثوابها و مضاعفة أجرها بجنة فوق ربوة أصابها مطر غزير فأخصبت تربتها ، و تضاعف أكلها .

تأمل نظم الآية العجيب كلمات إلهية لا يصلح في مكانها غيرها تعبر عن معانيها في دقة و إحكام ، وتنبعث منها لطائف و أنوار ، و ينطوي تحتها الكثير من العجائب و الأسرار ، و جمل ربانية متناسقة متلاحقة قد فصلت على معانيها بمقدار ، و حروف ذات أصوات و أنغام تبعث في الصورة الحركة و تبث فيها الحياة .

تأمل نظم الآية العجيب كلمات إلهية لا يصلح في مكانها غيرها تعبر عن معانيها في دقة و إحكام ، و تنبعث منها لطائف و أنوار ، و ينطوي تحتها الكثير من العجائب و الأسرار ، و جمل ربانية متناسقة متلاحقة قد فصلت على معانيها بمقدار ، و حروف و أنغام تبعث في الصورة الحركة و تبث فيها الحياة .

إنما من يقرأ الآية الكريمة ، يتذوق خلاوتها يخيل إليه أنه يرى هذه الصورة الغيبية الخفية أمام عينيه و أنه يلمسها و يتقراها بيديه .

أبعد هذا التصوير يأتي مكابر مجهول يصف التشبيه القرآني بأنه عن الإعجاز معزول ؟

قال تعالى:"مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء ، كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا ، و إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون"سورة العنكبوت .

شبه القرآن الكريم حال هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أندادا في لجوئهم و احتمائهم بهؤلاء الأنداد الضعفاء المتناهين في الضعف بحال العنكبوت حينما تأوي إلى بيتها الضعيف الواهن و تحتمي به .

صورة عجيبة تلح على الحس و الوجدان ، و تجتذب إليها الألتفات ، وتسترعي الانتباه ، و تسترق الأسماع و تبهر الألباب و تستولي على الأحاسيس و المشاعر ، و يقف أمامها دهاقين الكلام حيارى يتساءلون كيف نظمت هذه الصورة ؟ و كيف تكونت ؟ ثم لا يجدون من يجيبهم على تساؤلاتهم ، لأن البشر مهما أوتوا من البراعة و البيان لا يمكنهم الوصول إلى معرفة سر نظم القرآن .

إنها تصور لك هؤلاء العباد الغافلين بصورة العناكب الضئيلة الواهنة ، و تصور لك هؤلاء الضعفاء العاجزين بصورة بيت العنكبوت الذي يضرب به المثل في الضعف و الوهن .

و أظنك أيها القارئ الكريم لست في حاجة إلى أن أحدثك عن نظم هذه الصورة البلاغية فذلك متروك لذوقك و إحساسك ، و لكنني أدعوك إلى النظر و التأمل في الكلمات التي اختيرت للمشبه به و نظمت منها صورته":كمثل العنكبوت اتخذت بيتا.."هل في مقدورك أو في مقدور أي بليغ مهما كان حظه من الفصاحة البيانية ، و مهما كان يحفظ من مفردات اللغة العربية أن يأتي بألفاظ تسد مسد هذه الألفاظ التي نظمت منها صورة المشبه به ؟ إن أحدًا من البشر لن يستطيع ، واللغة العربية على اتساع مفرداتها ليس فيها ما يسد مسد هذه الألفاظ .

إنها الصياغة الإليهة يقف البشر أمامها عاجزين حيارى مذهولين .

قال تعالى:"و اتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ، فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ، ولو شئنا لرفعناه بها ، و لكنه أخلد إلى الأرض ، و اتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث"سورة العنكبوت .

تأمل الصورة التشبيهية التي اشتملت عليها الآية الكريمة .

لقد شبه القرآن الكريم في هذه الآية حال الكذب بآيات الله في إصرار على ضلاله في جميع أحواله كالكلب في إدامه اللهثان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت