فهرس الكتاب

الصفحة 428 من 503

و لعنا لا نخطئ إن رددنا سحر هذا النغم إلى نسق القرآن الذي يجمع بين مزايا النثر و الشعر جميعًا يقول المرحوم الأستاذ سيد قطب:"على أن النسق القرآني قد جمع بين مزايا الشعر و النثر جميعًا ، فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحدة و التفعيلات التامة ، فنال بذلك حرية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامة ، و أخذ في الوقت ذاته من خصائص الشعر الموسيقى الداخلية ، و الفواصل المتقاربة في الوزن التي تغنى عن التفاعيل ، والتقفية التي تغني عن القوافي ، و ضم ذلك إلى الخصائص التي ذكرنا فجمع النثر و النظم جميعًا". [ التصوير الفني في القرآن سيد قطب ] .

أقرأ معي الآيات الأولي من سورة النجم:

بسم الله الرحمن الرحيم:"و النجم إذا هوى ، ما ضل صاحبكم و ما غوى ، و ما ينطق عن الهوى ، أن هو إلا وحى يوحى ، علمه شديد القوى ، ذو مرة فاستوى ، و هو بالأفق الأعلى ن ثم دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى على عبده ما أوحى ، ما كذب الفؤاد و ما رأى ، أفتمارونه على ما يرى"؟

و لقد رآه نزلة أخرى ، عند سدرة المنتهي ، عندها جنة المأوى ، إذ يغشى السدرة ما يغشى ، ما زاغ البصر و ما طغى ، لقد رأى من آيات ربه الكبرى، أفرأيتم اللات و العزى ، و مناة الثالثة الأخرى ؟ ألكم الذكر و له الأنثى ؟ تلك إذن قسمة ضيزى"سورة النجم ."

تأمل الآيات تجد فواصل متساوية في الوزن تقريبًا ـ على نظام غير نظام الشعر العربي ـ متحدة في حرف التقفية تمامًا ، ذات إيقاع موسيقي متحد تبعًا و ذلك ، و تبعًا لأمر آخر لا يظهر ظهر الوزن و القافية ، لأنه ينبعث من تألف الحروف في الكلمات ، وتناسق الكلمات في الجمل ، و مرده إلى الحس الداخلي ، و الإدراك الموسيقي ، الذي يفرق بين إيقاع موسيقي و إيقاع ، و لو اتحدت الفواصل و الأوزان . و ألإيقاع الموسيقي هنا متوسط الزمن تبعًا لتوسط الجملة الموسيقية في الطول متحد تبعًا لتوحد الأسلوب الموسيقي و إيقاع ، و لو اتحدت الفواصل و الأوزان .

و لا يعني هذا أن كلمة"الأخرى"أو كلمة"الثالثة"أو كلمة"إذن"زائدة لمجرد القافية أو الوزن ، فهي ضرورية في السياق لنكث معنوية خاصة .

و تلك ميزة فنية أخرى أن تأتي اللفظة لتؤدي معنى في السياق لنكث معنوية خاصة ، و تلك ميزة فنية أخرى أن تأتي اللفظة لتؤدي معنى في السياق ، وتؤدي تناسبًا في الإيقاع ، دون أن يطغى هذا على ذلك ، أو نحو يختل إذا قدمت أو أخرت فيه ، أو عدلت في النظم أي تعدل .

و إن هذا النغم القرآني ليبدو في قمة السحر و التأثير في مقام الدعاء ، إذا الدعاء ـ بطبيعة ـ ضرب من النشيد الصاعد إلى الله ، فلا يحلو وقعه في نفس الضارع المبتهل إلا إذا كانت ألفاظه جميلة منتقاة و جملة متناسقة متعانقة ، و فواصله متساوية ذات إيقاع موسيقي متزن ، و القرآن الكريم لم ينطق عن لسان النبيين و الصديقين و الصالحين إلا بأحلى الدعاء نغمًا , و أروعه سحر بيان ، أن النغم الصاعد من القرآن خلال الدعاء يثير بكل لفظة صورة ، و ينشئ في كل لحن مرتعًا للخيال فسيحا: فتصور مثلًا ـ و نحن نرتل دعاء زكريا عليه السلام ـ شيخًا جليلًا مهيبًا على كل لفظه ينطق بها مسحة من رهبة ، وشعاع من نور ، و نتمثل هذا الشيخ الجليل ـ على وقاره ـ متأجج.

العاصفة ، متهدج الصوت ، طويل النفس ، ما تبرح أصداء كلماته تتجاوب في أعماق شديدة التأثير . بل أن زكريا في دعائه ليحرك القلوب المتحجرة بتعبيره الصادق عن حزنه و أساه خوفًا من انقطاع عقبه ، و هو قائم يصلي في المحراب لا ينئ ينادي أسم ربه نداء خفيًا ، و يكرر اسم"ربه"بكرة و عشيًا ، و يقول في لوعة الإنسان المحروم و في إيمان الصديق الصفي:"رب إني وهن العظم مني ، و اشتعل الرأس شيبًا ، و لم أكن بدعائك رب شقيًا ، وإني خفت الموالي من ورائي ، و كانت امرأتي عاقرًا ، فهب لي من لدنك وليًا ، يرثني و يرث من آل يعقوب و اجعله رب رضيًا"سورة مريم .

و إن البيان لا يرقى هنا إلى وصف العذوبة التي تنتهي في فاصلة كل آية بيائها المشددة و تنوينها المحول عند الوقف ألفا لينة كأنها في الشعر ألف الإطلاق: فهذه الألف اللينة الرخية المنسابة تناسقت بها"شقياـ وليا ـ رضيًا"مع عبد الله زكريا ينادي ربه نداء خفيًا ، ولقد استشعرنا هذا الجو الغنائي و نحن نتصور نبيًا يبتهل وحده في خلوة مع الله ، و كدنا نصغي إلى ألحانه الخفية تتصاعد في السماء ، فكيف بنا لو تصورنا جماعة من الصديقين الصالحين و هم يشتركون: ذكرانا و إناثا ، شبانا ً بأصوات رخيمة متناسقة تصعد معا و تهبط معا و هي تجأر إلى الله ، و تنشد هذا النشيد الفخم الجليل:"ربنا ما خلقت هذا باطلًا ، سبحانك فقنا عذاب النار ، ربنا إنك من تدخل النار فقد أخذيته ، و ما للظالمين من أنصار ، ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن آمنوا بركم فأمنا ، ربنا فأغفر لنا ذنوبنا ، و كفر عنا سيأتينا ، و توفنا مع الأبرار ، ربنا و آتنا ما وعدتنا على رسلك و لا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت