فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 503

و من دقيق ذلك و خفيه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى:"و اشتعل الرأس شيبًا"لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة ، ولم نيسبوا الشرف إلا إليها ، ولم يروا للمزية موجبًا سواها ، هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم ، و ليس الأمر على ذلك ، و لا هذا الشرف العظيم ، و لا هذه المزية الجليلة ، وهذه الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة و لكن لأن يسلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء ، وهو لما هو من سببه ، فيرفع به ما يسند إليه ، و يؤتي بالذي الفعل له في المعنى منصوبًا بعده ، مبينا أن ذلك الإسناد، و تلك النسبة إلى ذلك الأول إنما كان من أجل هذا الثاني ، و لما بينه و بينه من هذا الاتصال و الملابسة كقولهم: طاب زيد نفسًا وقر عمرو عينا ، و تصبب عرقًا ، و كرم أصلًا ، و حسن وجهًا و أشباه ذلك مما تجد منقولا عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه ، و ذلك أنا نعلم أن"اشتعل"للشيب في المعنى ، و أن كان هو الرأس فقط ، كما أن ما أسند إليه ، يبين أن الشرف كان لأن سلك فيه هذا المسلك و توخى به هذا المذهب ، أن تدع هذا الطريق فيه ، و تأخذ اللفظ فتسنده إلى الشيب صريحًا فتقول:"اشتعل الرأس"أو"الشيب في الرأس"، ثم تنظر هل تجد ذلك الحس ، و تلك الفخامة .؟ و هل ترى الروعة التي كنت تراها ؟ فإن قلت: فما السبب في أن كان"اشتعل"إذا استعير للشيب على هذا الوجه كان له الفضل ، ولم بأن بالمزية من الوجه الآخر هذه البينونة ؟ فإن السبب أنه يفيد مع لمعان الشيب في الرأس ، الذي هو أصل المعنى ، الشمول ، وأنه قد شاع فيه ، وأخذه من نواحيه ، وأنه قد استقر به ، و عم جملته ، حتى لم يبق من السواد شيء ، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به . وهذا ما لا يكون إذا قيل:"أشتعل شيب الرأس"أو"الشيب في الرأس بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة ، ووزان ذلك أن تقول: اشتعل البيت عليه ، و"

أخذت في طرفيه ووسطه ، و تقول": اشتعلت النار في البيت"فلا يفيد ذلك ، بل لا يقتضي أكثر من وقوعها فيه ، و أصابتها جانبًا منه ، فأما الشمول ، وأن تكون قد استولت على البيت ، و ابتزته فلا يعقل من اللفظ التفجير للعيون في المعنى ، ووقع على الأرض في اللفظ ألبته . و نظير هذا في التنزيل قوله تعالى:"و فجرنا الأرض عيرانا"التفجير للعيون في المعنى وواقع على الأرض في اللفظ كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس . وقد حصل بذلك من معنى الشمول ها هنا مثل الذي حصل هناك .

و ذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها ، و أن الماء كان يفور من كل مكان فيها و لو أجرى اللفظ على ظاهره فقيل:"و فجرنا عيون الأرض"،"أو العيون في الأرض"لم يفد ذلك ، ولم يدل عليه ، و لكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض ، و تنبجس من أماكن فيها" [ دلائل الإعجاز للجرجاني ص79 ـ80] ."

من هذا النص يتضح لنا أن عبد القاهر يرجع جمال الاستعارة و شرفها ور وعتها في القرآن الكريم إلى نظمها العجيب البديع ، و كم كنت أود أن يتناول هذا الأديب الذواقة الصور و الألوان البلاغية في القرآن بهذه العبارة الفياضة و بتك الطريقة البيانية الرائعة التي تشف عن الجمال الأخاذ و الإعجاب الرائع الذي يكمن في هذه الصور ، و ينبع من نظمها العجيب الذي لا يقدر على مثله بشر ، و لكنه وقف عند لمحة من لمحاته الجزئية شأنه في ذلك شأن غيره من بلغاء عصره .

من روائع التشبيه في القرآن الكريم:

قال تعالى:"إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فأختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس و الأنعام ، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها و أزينت و ظن أهلها أنهم قادرون عليها ، أتاها أمرنا ليلًا أو نهارا فجعلناها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس"سورة يونس 24

شبه القرآن حال الدنيا في سرعة تقضيها و انقراض نعيمها ، و اغترار الناس بها ، بحال ماء نزل من السماء و أنبت أنواع العشب ، وزين بزخارفها وجه الأرض كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة ، حتى إذا طمع أهلها فيها ، و ظنوا أنها مسلمة من الجوائح أتاها بأس الله فجأة فكأنها لم تكن بالأمس

تأمل بعقلك و خيالك و ذوقك نظم الآية الكريمة أنها مكونة من عشر جمل لو سقط منها شيء اختل التشبيه ، وانظر إلى هذه الجمل تجد كل جملة تعبر عن مشهد من مشاهد الحياة الدنيا ، و قد رتبت ترتيبا عجيبا ً كان كل جملة منها تلد التي تليها ، وقد تكونت كل جملة من طائفة من الكلمات تألفت بأصواتها و ظلالها و أجراسها فعبرت أصدق تعبير عن المشهد الذي استقلت به ، أن نظمها أو حرفا بأخر اختل بمقدار ، بحيث إذا أخرت أو قدمت أو غيرت كلمة بأخرى أو حرفا بآخر اختل المعنى ، و تبعثرت مشاهد الصورة الدنيوية .

قال تعالى:"مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ، لا يقدرون على شيء مما كسبوا" [سورة إبراهيم: 18] .

الذين كفروا في ضياعها ، و ذهابها إلى غير عودة بهيئة رماد تذروه الرياح و تذهب به بددا إلى حيث لا يتجمع أبدأ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت