هو ما يسبب عدم حب الله الكافرين ولا الثاني متوقف على الاول، وكذا قوله: {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا لما استجابوا لكم} (فاطر:14) فعدم سماع الدعاء غير متسبب عن الدعاء وهم لا يسمعون سواء دعوهم ام لم يدعوهم، كما ان عدم الاستجابة غير متسبب عن عدم السماع، فهم لم يستجيبوا سواء اسمعوا ام لم يسمعوا.
بل قد تحتمل بعض الجمل الشرطية ان يكون فيها الاول متسبب عن الثاني كما لاحظنا هذا قبلا في قوله (- جل جلاله -) : {فإن تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فإنك انت العزيز الحكيم} (المائدة:118) [1] .
وعلى ذلك لا يكون التركيب الشرطي دائما يتسبب فيه الثاني عن الاول، وانما الاصل فيه ان يكون كذلك؛ لذا جعله بعضهم قسمين: (( احدهما ان يكون مضمونه مسببا عن مضمون الشرط، نحو: ان جئتني اكرمتك. والثاني: ان لا يكون مضمون الجواب مسببا عن مضمون الشرط وانما يكون الاخبار به مسببا، نحو: ان تكرمني فقد اكرمتك امس، والمعنى: ان اعتددت علي باكرامك اياي فانا ايضا اعتد عليك باكرامي اياك ) ) [2] والرضي لم يسلم ان الشرط سبب والجزاء مسبب دائما؛ اذ ان الشرط عند النحاة ملزوم والجزاء لازمه سواء كان الشرط سببا ام لا، كقولك: (ان كان النهار موجودا كانت الشمس طاعة) [3] .
ويؤيد ما سبق ما نقله الزركشي في البرهان، قال: (( قال صاحب المستوفي [4] : اعلم ان المجازاة لا يجب فيها ان يكون الجزاء موقوفا على الشرط ابدا، ولا ان يكون الشرط موقوفا على الجزاء ابدا، بحيث يمكن وجوده، ولا ان تكون نسبة الشرط دائما الى الجزاء نسبة السبب الى المسبب، بل الواجب ان يكون الشرط بحيث اذا فرض حاصلا لزم مع حصوله حصول الجزاء، سواء كان الجزاء قد يقع لا من جهة وقوع الشرط كقول الطبيب: من استحم بالماء البارد احتقنت الحرارة باطن جسده؛ لان احتقان الحرارة قد يكون لا عن ذلك، او لم يكن كذلك كقولك: ان كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا.
وسواء كان الشرط ممكنا في نفسه كالامثلة السابقة، او مستحيلا كما في قوله تعالى: {قل ان كان للرحمن ولدا فانا اول العابدين} (الزخرف:81) .
وسواء كان الشرط سببا في الجزاء ووصلة اليه كقوله تعالى: {وان تؤمنوا وتتقوا يؤتكم اجوركمم} (محمد:36) او كان الامر بالعكس كقوله: {ما اصابك من حسنة فمن الله} (النساء: 79) ، او كان لا هذا ولا ذاك، فلا يقع الا لمجرد الدلالة على اقتران احدهما بالاخر كقوله تعالى: وان تدعهم الى الهدى فلن
(1) تنظر صفحة: (57) ، (56) من هذا البحث.
(2) حاشية الصبان: 4/ 22.
(3) ينظر: شرح الرضي: 2/ 390، حاشية الصبان: 4/ 22 - 23.
(4) هو القاضي كمال الدين ابو سعد علي بن مسعود بن محمود بن الحكم الفرخان، وسماه بعضهم ابن مكتوم. ينظر: بغية الوعاة:2/ 206.