ولم ينكر ابن جني افادتها التعليل في هذا الموضع او في غيره [1] .وقد استشكل عليه ان تكون (اذ) بدلا من اليوم فاضطره الى مراجعة استاذه ابي علي الفارسي مرارا، قال: (( طاولت ابا علي رحمه الله تعالى في هذا وراجعته فيه عودا على بدء فكان اكثر ما برد منه في اليد انه لما كانت الدار الاخرة تلي الدار الدنيا لا فاصل بينهما، انما هي هذه فهذه، صار ما يقع في الاخرة كانه واقع في الدنيا، فلذلك اجرى(اليوم) وهو الاخرة مجرى وقت الظلم وهو قوله: (اذ ظلمتم) ووقت الظلم انما كان في الدنيا. فان لم تفعل هذا وترتكبه بقي (اذ ظلمتم) غير متعلق بشيء؛ فيصير ما قاله ابو علي الى انه كانه ابدل (اذ ظلمتم) من اليوم، او كرره عليه وهو كانه )) [2] .ولا اشكال في ان الزمنين متقاربان، لكن هل يكفي التقارب ليكون مسوغا لجعل (اذ) بدلا من اليوم؟
لم يكن انقسام النحاة في (اذ) مقتصرا على اصل افادتها التعليل فحسب، بل ان للقائلين بجواز ان تكون (اذ) للتعليل مذهبين:-
الاول: انها ظرف، والتعليل مفهوم من قوة الكلام لا من لفظها، ففي قولنا: (ضربته اذ اساء) اذا اريد بـ (اذ) الوقت فان ظاهر الحال يقتضي ان الاساءة سبب الضرب، او ان وقت الاساءة بسببها [3] .
ورجحه الدكتور محمد عبد الخالق عضيمة من المحدثين، قال:"ارى بقاء (اذ) على ظرفيتها مع افادة التعليل لما يأتي:-"
1 - (حيث) من الظروف التي تفيد التعليل، ولو جعلنا (اذ) الدالة على التعليل حرفا مصدريا يسبك مع ما بعدها بمصدر للزمنا ان نقول بذلك في (حيث) ، قال الزمخشري: حيث واذ غلبتا دون سائر الظروف في افادة التعليل.
2 - (اذ) مفيدة للتعليل في قوله تعالى: {ايامركم بالكفر بعد اذ انتم مسلمون} (ال عمران:80) كما ذكره السهيلي وغيره، ولو وضعت (ان) المصدرية هنا مكان (اذ) ما صح ذلك، لان (ان) المصدرية لا تقع بعدها الجملة الاسمية الا اذا كانت المخففة من (ان) .
ويعضد ما قنا ان ابا الفتح اعرب (اذ) بدلا من اليوم في قوله تعالى: {ولن ينفعكم اليوم اذ ظلمتم} (الزخرف:39) ، ثم صرح بافادة (اذ) للتعليل [4] .
الثاني: ان (اذ) حرف بمنزلة لام العلة وهو متمحض للتعليل مجرد عن الظرفية. ونسب هذا المذهب الى سيبويه [5] ، وعليه الرضي، قال في شرح الكافية: (( تجيء(اذ) للتعليل نحو: جئتك اذ انت كريم،
(1) ينظر الخصائص: 1/ 172.
(2) الخصائص: 1/ 172 وينظر ايضا: 3/ 224.
(3) ينظر: مغني اللبيب:1/ 86، شرح الجلال المحلى: 1/ 439، المطالع السعيدة:1/ 420، مباحث العلة:362.
(4) دراسات لاسلوب القران الكريم: ق 1/ ج1/ 50.
(5) ينظر: امالي السهيلي:25، الجنى الداني: 213، المساعد: 1/ 501.