هي للابتداء، وقيل هي للتعليل [1] ،والمعنى: (( من اجل ذكره الذي حقه ان تنشرح له الصدور وتطمئن به القلوب، أي اذا ذكر الله تعالى عندهم وآياته اشمازوا من اجلها وزادت قلوبهم قسوة ) ) [2] ، فذكر الله اذن سبب لقساوة قلوبهم واشمئزازهم، وهو كقوله عز وجل: {واما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا الى رجسهم} (التوبة:125) وقوله: {واذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالاخرة} (الزمر:45) [3] .
ومن الشعر قول الشاعر:-
وذلك من نبأ جاءني وخبرته عن ابي الاسود [4]
فما اشير اليه بـ (ذلك) مسبب عما جاء من نبا، أي: بسبب نبا جاءني. ومنه قول الفرزدق مادحا الامام زين العابدين (- عليه السلام -) :-
يغضي حياء ويغضى من مهابته فما يكلم الا وهو يبتسم [5]
اذ المهابة هنا هي ما سببت الاغضاء.
واختلف في (من) في قولهم: (اطعمه من جوع) فمن قائل: انها لابتداء الغاية، ومن قائل: انها بمعنى (عن) ، وقيل: هي للتعليل. اما ابتداء الغاية فلان الجوع ابتداء الاطعام، والمعنى انه كان جائعا فاطعمه. واما معنى (عن) فعلى انه (( جعل الجوع منصرفا تاركا له قد جاوزه ... وقد تقع(من) موقعها ايضا )) [6] ، أي: ابعد الجوع عنه. واما التعليل فان تكون بمعنى: من اجل الجوع، ورده بعضهم بان الذي افهم التعليل هو (اجل) لا (من) [7] .
اقول: ان الجوع اما ان يكون واقعا حاصلا عند وقوع الاطعام، او انه سيقع فهو غير حاصل بل متوقع الحصول. فعلى المعنى الاول يصح ان تكون (من) للتعليل اذ الجوع الواقع هو المسبب للاطعام فهو الحامل على ايقاعه، وهو سابق في التصور والخارج. والتعليل هنا قد يكون فيه معنى الابتداء؛ اذ ان الجوع ابتداء الاطعام - كما قال اصحاب الراي الاول - وهو سببه.
اما على الثاني وهو اذا كان الجوع غير واقع بل متوقع حصوله، فالمعنى ان الاطعام ابعد
(1) ينظر مغني اللبيب:1/ 356.
(2) تنوير الاذهان: 3/ 385.
(3) ينظر معاني النحو:3/ 77.
(4) مغني اللبيب:1/ 354، شرح ابيات المغني:
(5) ديوان الفرزدق:512، شرح المفصل: 2/ 53، مغني اللبيب:1/ 355. رواية الديوان: الا حين يبتسم.
(6) الكتاب:2/ 308.
(7) ينظر: شرح المفصل:8/ 41 - 42، البرهان:4/ 419، 420، معاني النحو:3/ 52.