الوقوع المحتمل للجوع، وهو معنى قريب من معنى (عن) الذي ذكره اصحاب الراي الثاني.
وتجدر الاشارة هنا الى ان (من) قد تدخل على المستغاث له، وعلل ذلك بانها تاتي للتعليل كاللام. وهي تدخل عليه اذا كان مستنصرا عليه، فان كان مستنصرا له فيتعين الجر باللام [1] . وقد فضل بعض المحدثين ان يكون المستنصر عليه عنصرا من عناصرالاستغاثة وسماه المستغاث منه، قال: (( يسمي النحاة المستغاث منه: المستغاث من اجله والمستغاث له وآثرت هذه التسمية لانها ادل على المعنى واظهر ) ) [2] .
و (من) الداخلة على المستغاث منه تكون داخلة على ما هو سبب الاستغاثة نحو: (يا للاحرار من المنافقين والجبناء) فالمنافقون والجبناء بصفتهم التي يحملونها (النفاق والجبن) هم سبب الاستغاثة بالاحرار، ومثله قول الشاعر:-
يا للرجال ذوي الالباب من نفر لايبرح السفه المردي لهم دينا [3]
وهؤلاء النفر بصفتهم المذكورة (وهي انهم يهلكون دينهم بسفههم) سبب للاستغاثة بالرجال العقلاء.
والسبب هنا كما هو ظاهر سابق للمسبب ذهنا وخارجا، ويتضح منه ان التعليل بـ (من) اذا دخلت على المستغاث منه كان تعليلا بالسبب، ولا يضعفه كون المراد والمقصود من الاستغاثة هنا هو التغلب على المستغاث منه واضعاف امره [4] ، لان هذا لا تدل عليه (من) ولا يفهم منها، بل هو مفهوم من الاستغاثة عامة بالنظر والاستدلال، ويؤيده ان لو وضعت اللام مكان (من) لكان المعنى الاخير قريبا، كما سيأتي توضيح ذلك [5] .
(1) ينظر: همع الهوامع:3/ 73، حاشية الصبان:3/ 165 - 166.
(2) معاني النحو:4/ 706 (هامش:5) .
(3) همع الهوامع: 3/ 73، شرح الاشموني:2/ 463.
(4) ينظر النحو الوافي:4/ 84.
(5) ينظر المبحث الخامس صفحة (118) من هذا البحث.