وقال الشاطبي رحمه الله: (إنّا إذا قررنا إماما مطاعا مفتقرا إلى تكثير الجنود لسد الثغور وحماية الملك المتسع الأقطار، وخلا بيت المال، وارتفعت حاجات الجند إلى ما لا يكفيهم، فللإمام إذا كان عدلا أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيا لهم في الحال إلى أن يظهر مال بيت المال، ثم إليه النظر في توظيف ذلك على الغلات والثمار وغير ذلك، كيلا يؤدي تخصيص الناس به إلى إيحاش القلوب، وذلك يقع قليلا من كثير، بحيث لا يجحف بأحد ويحصل المقصود) .
ويقول القاضي ابن العربي: (ليس في المال حق سوى الزكاة، وإذا وقع أداء الزكاة ونزلت بعد ذلك حاجة فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق العلماء) .
ويقول المالقي: (توظيف الخراج على المسلمين من المصالح المرسلة ولا شك عندنا في جوازه) .
ويقول الدكتور نزيه حماد: (وهذا الأصل لا خلاف بين الفقهاء في مشروعيته، ومستندهم في ذلك المصالح المرسلة ولزوم دفع أكبر الضررين بأيسرهما، ثم اعتبار المسألة من باب الضرورة ... ومن هنا وجدنا الفقهاء لا يتوسعون في هذا الباب، بل يضيقونه) .
وساق مجموعة من النقول في ذلك، حيث قال: (قال ابن عابدين بعد تقرير الحكم بالجواز"قلت: تقييد ذلك إذا لم يوجد في بيت المال ما يكفي لذلك". وجاء في فتوى الإمام النووي فيها"ولا يحل أن يُؤخذ من الرعية شيء ما دام في بيت المال شيء من نقد أو متاع، أو أرض أو ضياع تُباع أو غير ذلك". وكذلك جاء في فتوى العز بن عبد السلام"أنه إذا طرق العدو بلاد الإسلام وجب على العالم قتالهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادهم، بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء، وتبيعوا ما لكم من الحوائص المذهبة والآلات النفيسة، ويقتصر كل الجند على مركوبه وسلاحه، ويتساووا هم والعامة، وأما أخد الأموال من العامة مع بقايا في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا) ."
هذا وإن من أجود التحريرات الفقهية لهذه القضية ما حكى الونشريسي في"المعيار"عن القاضي أبي عمر بن منظور من أئمة المالكية أنه قال: (إن الأصل إلا يُطالب المسلمون بمغارم غير واجبة بالشرع، وإنما يُطالبون بالزكاة وما أوجبه القرآن والسنة، كالفيء والركاز وإرث من يرثه بيت مال. وهذا ما أمكن به حمل الوطن وما يحتاج له من جند ومصالح المسلمين وسد ثلم الإسلام. فإذا عجز بيت المال عن أرزاق الجند وما يحتاج إليه من آلة حرب وعدّة، فيوزع على الناس م يُحتاج إليه من ذلك. وعند ذلك يقال: يُخرج من هذا