الصفحة 85 من 103

في سورة النور , أثنى الله سبحانه و تعالى على هؤلاء التجار الذين لا تلهييهم التجارة عن ذكر الله و عبادته , و في فاطر بين لنا أن التجارة الحقيقية هي طاعة الله عن طريق تلاوة كتابه و العمل بما فيه من الصلاة لتقوية الصلة بينه و بين الله , و الإنفاق للزكاة لتقوية الصلة الاجتماعية .

إذن الآية في النور جمع الله صفات التجار معه و التجار مع البشر , هذه الصفات تتثمل في ذكرهم المستمر و المتواصل مهما كانت أشغالهم في شؤون التجارة الدنيوية , لأن ذكر الله تعالى و تلاوة كتابه و اتباع سنته و شرائعه أحب إليهم من التجارة و غيرها , و لا يخافون من كساد التجارة , و إنما خوفهم من يوم القيامة , و هو الحكم التالي .

المطلب الخامس: يوم القيامة أخوف إليه من الكساد .

عموم التجار يخافون من كساد تجارتهم , و هذا الخوف هو الذي صوره الله تعالى في قوله: .... و تجارة تخشون كسادها , وهذا من الخوف الطبيعي الموجود في الإنسان , نعم إنه من الطبيعي لكن المؤمنين التجار لا يقدمون هذا الحب إن كان ذلك على حساب حب الله المتمثل في الجهاد في سبيله . فإنهم لو فعلوا ذلك , فما ربحت تجارتهم و ما كانوا مهتدين في الدنيا , و سيأتيهم أشياء لم يتوقعوها , كما هددهم الله بقوله ... فتربصوا , ومعناه: أي انتظروا { حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ } أي بعقوبته سبحانه لكم عاجلًا أو آجلًا (1) .

فما الشيء الذي يخاف منه التجار إذن ؟ الجواب ما عبر عنه سبحانه بقوله: .... يخافون يوما تتقلب فيه القلوب و الأبصار , وهو يوم القيامة . أي يخافون يوما تتقلب فيه القلوب من هوله بين طمع بالنجاة، وحذر بالهلاك، والأبصار: أي ناحية يؤخذ بهم، أذات اليمين أم ذات الشمال، ومن أين يؤتون كتبهم، أمن قبل الأيمان، أو من قبل الشمائل؟ وذلك يوم القيامة (2) .

(1) روح المعاني , ج 7 ص 91

(2) الطبري , ج 14 ص 177

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت