بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هاديًا للعالمين ومبيِّنًا لأحكام الدين سلوكًا وعقيدةً وعملًا، ولم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن أتمَّ البيان: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا } [المائدة:3] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (( تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ) ) (1) ، وهذا التعليم منه - صلى الله عليه وسلم - استغرق كلَّ حياته لكلِّ مَن صحبه، فكلٌّ من صحابته - رضي الله عنهم - يمكن أن يقول له كلامًا يتلاءم مع نفسه وحاله، وعلى حسب ما يقتضيه المقام من البيان والتعليم، الأمر الذي أدَّى إلى اختلاف فيما ينقل عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الأقوال والأفعال، علاوةً على أن كبار الصحابة المجتهدين الذين تصدُّوا للفتوى ورد عنهم أقوال عديدة تختلف عمَّا نقل عن بعض منهم، وبعض يخالف ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل إن لبعضهم أقوال تخالف ما روي من الأحاديث، وكذا ورد عنهم أقوال أجمعوا واتَّفقوا عليها.
فمِن بين الآيات القرآنية والأحاديث النبويّة والآثار المختلفة عن الصحابة والمجمع عليها لا بدَّ من استخراج الحكم الشرعيّ سواء أكان في العبادات أم الأحوال أم المعاملات أم غيرها، وهذه هي مهمّةُ المجتهد التي إذا أقدم عليها غيرُه ضلَّ، قال تقي الدين السُّبكي (2) : نسب قول: الحديث مضلَّة إلا للفقهاء؛ إلى كل من ابن وهب والليث بن سعد وابن عيينة - رضي الله عنهم -، ولا يخفى معناه على مَن له نوع اتّصال بكتب العلم وأهله، وروي قريب من معناه عن أئمة آخرين. انتهى.
(1) في (( المستدرك ) ) (1: 75) ، و (( المسند المستخرج ) ) (1: 36) ، (( المعجم الكبير ) ) (18: 247) ، وغيرها.
(2) في (( معنى قول الإمام المطلبي إذا صحّ الحديث فهو مذهبي ) ) (ص18) .