وقد أوجد الله تعالى في هذه الأمّة العديد من المجتهدين على طوال القرون، كلٌّ منهم يبذل قصارى جهده في استخلاص أصول وقواعد يحتكم إليها في استنباط الأحكام الشرعيّة، وهذا الأصول والقواعد التي قعَّدها لنفسه تتفاوت قوَّة وضعفًا في استيعابها للمسائل الفقهية في بابها، وكُلَّما كان للمجتهد قواعد أكثرَ استيعابًا لفروعها كان الفقيه أكثر اجتهادًا وفقهًا من غيره، وأقدر على القيام بهذه المهمّة، فيحيط به التلاميذ من كلِّ حدب، ويقبل عليه الناس مستفتين، يصور هذا المعنى ما نقل عن زفر تلميذ الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه:
أنه قدم البصرة، وكان الشائع فيها رأي عثمان البَتِيّ، وهو رئيسها وفقيهها، فكان يأتي حلقته فيسمع مسائلهم، فإذا وقفَ على الأصل الذي بنوا عليه تتبع فروعهم التي فرّعوا على ذلك الأصل، فإذا وقفَ على تركِهم الأصل طالب البَتِيّ حتى يلزمه قوله، ويبيّن له خروجه عن أصله، فيعود أصحابه شهودًا عليه بذلك، فإذا وقف أصحاب البَتِيّ على ذلك واستحسنوا ما كان منه، قال لهم: ففي هذا الباب أحسن من هذا الأصل، ويذكره له، ويقيم الحجّة عليه فيه، ويأتيهم بالدلائل عليه، ويطالب البَتِيّ بالرجوع إليه، ويشهد أصحابه عليه بذلك ثمَّ قال لهم: هذا قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فما مضت الآيام حتى تحوَّلت الحلقة إلى زفر، وبقي البَتِيّ وحده (1) . ثم صار مذهب زفر هو الشائع في البصرة.
فالسبب الرئيس في الخلاف في الفروع بين الفقهاء هو اختلاف الأصول والقواعد
(1) انتهى من (( لمحات النظر في سيرة الإمام زفر ) ) (ص18) ،و (( مقدمات الإمام الكوثري ) ) (ص301-312) وغيرهما.