فالصحابة منهم مَن كان مجتهدًا ومنهم مَن كان مقلّدًا، والمقلّد فيهم يعملُ بالتقليد المطلق من غير التزام مذهب معيّن، وكان التقليدُ الشخصي نادرًا فيهم، لكن لمّا تغيّر الزمان على ما ذكر اختار العلماءُ لغير المجتهدين أن يلتزموا مذهب إمام معيّن (1) ، لا لأنه كان حكمًا شرعيًا، بل لكف الناس عن اتباع الهوى، فإن الرجل العاميّ إذا حصلت له الحرية في أن ينتقي من أقوال الفقهاء ما يوافق أهواءه صار الدين لعبةً في أيدي المتطفلين، تتلاعب به أهواؤهم (2) ، وهذا مما لا يبيحه أحد، فكان حكم التقليد الشخصي سدًا للذريعة لا تشريعًا لما لم يثبت من الصحابة والتابعين، قال شيخ الهند: التقليد الشخصي ليس بحكم شرعي بل هو فتوى انتظامي (3) .
المراحل التاريخية لكتب الفقه الحنفي لما سبق (( الوقاية ) )و (( شرح الوقاية ) )وما تلاهما:
(1) قال ابن رجب في (( الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة ) ) (ص34) : علَّة منع تقليد غير الأئمة الأربعة أن مذاهب غير هؤلاء لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نسب إليهم ما لم يقولوه، أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم مَن يذبّ عنها وينبّه على ما يقع من الخلل فيها بخلاف هذه المذاهب المشهورة.
(2) قال الدهلوي في (( الانصاف ) ) (ص97) : هذه المذاهب الأربعة المدونة قد اجتمعت الأمة أو من يعتد به منها على جواز تقليدها إلى يومنا هذا، وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى ولا سيما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم وأشرِبَت النفوس الهوى، وأعجب كل ذي رأي برأيه.
(3) ينظر: (( أصول الإفتاء ) ) (ص17) .