البدء بواو القسم:
ننطر في ظاهرة أسلوبية أخرى من البيان القرآني، وهي ظاهرة البدء بواو القسم في مثل آيات:
الضحى: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}
الليل: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}
الفجر: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ}
النجم: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى}
العاديات: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا}
العصر: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}
والأصل في الواو أن تأتي في درَج الكلام للربط والعطف، فإذا جاءت للقسم فإن لها الصدارة، في مقام التوثيق لما يسبق إنكاره، أو الإقرار والشهادة.
وقد اتجه بها المفسرون، أو جمهرتهم فيما أعلم، إلى تعظيم المقسَم به.
ثم مضوا يلتمسون وجه العظمة في المقسم به بالواو. وأكثر ما ذكروه من ذلك يدخل في الحكمة وهي تختلف تمامًا عن العظمة: فما من شيء في الكون خُلِق عبثًا، وكل ما خلقه الله، خلقه لحكمة ظاهرة لنا أو خفية علينا، وأما العظمة فلا يهون القول بها لمجرد لمح وجهٍ لظاهر الحكمة في المقسَم به، بعد هذه الواو.
ثم إنهم غالبًا، لم يراعوا القيد في المقسم به: ففي الضحى مثلًا تحدثوا عن عظمة الضياء، وليس مقصورًا على وقت الضحى، بل لعله في الظهيرة أقوى. . .
وفي الليل إذا سجى، تحدثوا عن عظمة الليل مطلق الليل، وهو في الآية مقيد