الأعلى لأن نداءه يسترعي اسماع أهل الملاء الأعلى فيتطلعون لما سيخاطب به) [1] . فجاء النداء تكريمًا لاِ آدم. أما المتواليات (أسكن أنت وزوجك الجنة) ، و (وكلا منها رغدًا حيث شئتما) فقد اعتمدت على أسلوب الأمر فبدأت كل متوالية بفعل أمر فالمتوالية (أسكن أنت وزوجك الجنة) ، و (اختلف في هذا الأمر فقيل: انّه أمر وقيل هو إباحة لأنه ليس فيه مشقة فلا يتعلق به تكليف) [2] ، فالأمر (مستعمل في الامتنان بالتمكين والتخويل وليس أمر له بان يسعى بنفسه لسكن الجنة إذ لا قدرة له عل ذلك السعي فلا يكلف به) [3] . وقوله (( أسكن) السكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار) [4] ، و (( أنت) تأكيد للضمير المستكن في أسكن الذي هو فاعله وزوجك معطوف على موضع أنت فلو عطفه على الضمير المستكن لكان أشبه في الظاهر عطف الاسم على الفعل فأتى بالضمير المنفصل فعطفه عليه) [5] . أما المتوالية (وكلا منها رغدًا حيث شئتما) فقوله: (كلا منها) جاء الأمر لإباحة الأكل من ثمارها [6] ، و (( رغدًا) نعت لمصدر محذوف أي أكلًا رغدًا. قال ابن كيسان: ويجوز أن يكون مصدرًا في موضع الحال) [7] ، و (( حيث) للمكان المبهم: أي أي مكان من الجنة
(شئتما) أطلق لهما الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة المزيحة للعلة حين لم يحظر عليها بعض الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرة واحدة من بين أشجارها) [8] . أما المتوالية (ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) فقد اعتمدت على أسلوب النهي في بنائها النحوي. لأن قوله: (ولا تقربًا هذه الشجرة) (يعني به ولا تأكلا من الشجرة لأن قربانها إنما لقصد الأكل منها فالنهي عن القربان أبلغ من النهي عن الأكل لأن القرب من الشيء ينشئ داعية وميلا إليه) [9] .
وقوله: (فتكونا من الظالمين) (في حذف النون من(تكونا) وجهان:
أحدهما: أن يكون حذفها للنصب بتقدير (أن) لأنه جواب النهي، وتكون (أن) مع الفعل بتقدير المصدر، والفاء عاطفة له على المصدر الذي دل عليه قوله: ولا تقربا. كأنه قال: لا يكن منكما قربانٌ وكونٌ من الظالمين.
(1) التحرير والتنوير:1/ 428.
(2) مجمع البيان:1/ 84 ـ 85.
(3) التحرير والتنوير: 1/ 428.
(4) تفسير الكشاف: 1/ 273.
(5) مجمع البيان: 1/ 84.
(6) ينظر: المصدر نفسه:1/ 85، وينظر: تفسير النسفي:1/ 82.
(7) إعراب القرآن: 1/ 163.
(8) تفسير الكشاف:1/ 273.
(9) التحرير والتنوير:1/ 432.