وإنما جاء الخبر نكرة في المتوالية الأولى وذلك ليقرروا الأمر الذي وقع عليه من مرض وغيره، فخاطبوه خطاب من لم يعلم ما أصابه من ضعف بصره، يقول الجرجاني: ... (اعلم انك إذا قلت:(زيد منطلق) . كان كلامك مع من لم يعلم ان انطلاقًا كان من زيد ولا من عمرو فأنت تفيده ذلك أبتدأ) [1] فقال تعالى: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ - قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} [يوسف: 84 ـ 85] ، فجاء قولهم لأبيهم (حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا) بعدما أصابه من ضعف بصره لحزنه على يوسف، فوقع الخبر نكرة ليشعروه ان الذي أصابه سيزداد إذا بقي على حزنه، و (حَرَضًا) أي: (هرمًا أو دنفا من المرض وهو ما دون الموت أو فاسد العقل، واصل الحرض فساد الجسم والعقل بمرض أو عشق) [2] . و (حَرَضًا)
(لا يثنى ولا يجمع) [3] .
ووقع الخبر شبه جملة في المتوالية الثانية (مِنَ الْهَالِكِينَ) أي: (الميتين) [4] ، ليتحول الاهتمام من الخبر في المتوالية الأولى إلى الاهتمام بالمبتدأ في المتوالية الثانية، فبعد ان كان المتلقي في المتوالية الأولى ينتظر الحكم أي الخبر الذي هو نكرة، تحول إلى الاهتمام بالمحكوم له أي المبتدأ، والذي ـ أي المبتدأ ـ محور الخطاب في المتواليتين فكأنهم أرادوا أن يشعروه في المتوالية الثانية باهتمامهم به وخوفهم عليه مما سيصيبه إذا بقي على حزنه.
فجاء التوازي لتحقيق وظيفة دلالية، إذ قامت المتوالية الأولى بعرض فكرة ما، عرضت المتوالية الثانية فكرة اخرى، وذلك بهدف إحداث تأثير مباشر في المتلقي واقناعه بوجهة نظره [5] ، فعرضت المتوالية الأولى الوهن والضعف، وعرضت المتوالية الثانية الهلاك فتدرج التوازي في عرض الفكرة فكان الحديث في المتوالية الاولى عن الوهن والضعف ثم انتقل الحديث في المتوالية الثانية الى الهلاك والموت.
(1) دلائل الإعجاز: 126.
(2) تفسير العز بن عبد السلام: 2/ 135.
(3) إعراب القرآن، لأبي جعفر احمد بن محمد بن إسماعيل النحاس (ت338هـ) ، تح: د. زهير غازي زاهد، مطبعة العاني، بغداد ـ العراق، 1397هـ ـ 1977م: 2/ 156.
(4) ينظر: تفسير العز بن عبد السلام: 2/ 136.
(5) ينظر: (التوازي في شعر يوسف الصائغ وأثره في الإيقاع والدلالة) أبحاث اليرموك، مج 16، ع2، 1998م: 21 - 22.