بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيّد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد كان نزول القرآن الكريم على محمد - صلى الله عليه وسلم - بلغته الصافية وتراكيبه الباهرة موردًا لكثير من الدراسات، نظرتْ في القرآن الكريم نظرات استنطقتْ فناءاته اللغوية والنحوية والأدبية والبلاغية، ومنهلًا لروّاد سعوا إلى خدمة لغته المباركة وحاولوا استكناه بيان ألفاظه وتوسلوا مقاصده ومعانيه وشرحوا غريب صوره وألفاظه، من هنا سعينا نحو التوازي بوصفه واحدًا من الظواهر القرآنية المبرزة، بيد أني في أول أمري هممتُ جهدي واستدعيت دالات الفكر عندي فإذا بي اكتشف أن في سعي ترددًا وفي شكي حيرةً، لاسيما أن الموضوع فيه رسالة سابغة الفضل للأخت الكريمة (وداد مكاوي حمود الشمري) ولكنني أيضًا كنت أجمعتُ أمري منذ أوائل أيامي في الدراسة والتحضير على أن العناية بنحو التوازي وتشكيل متواليات إيقاعه، ينبغي أن يكون أمرًا سابقًا في أية رسالة تُعنى بهذه الظاهرة وبعد الاطلاع على الرسالة أيقنت أن ما كتب في تلك الرسالة جهد مخلص ومثابر لاشك فيه فاستقريتُ الأمر مع أستاذي الدكتور (هاني صبري علي آل يونس) الذي أكد لي حاجة الرسالة السابقة وحاجة هذه الظاهرة المهمة إلى جهد نحوي يتابع تشكيل أنماط التوازي في القرآن الكريم إذ أنّه الجانب الأهم الذي به يظهر التوازي ويتموسق في دلالته النظمية والإيقاعية معًا لذا زاد ميلي إليه وكثر إقراري بأهميته إلى أن اتسق هذا مع ما في يقين أستاذي، زاده الله خيرًا على خيره وسعةً على سعته.
إن التوازي معنى جامع لعلوم لغوية وادائية شتى إذ تنسجم أساليب وسياقات نحوية مرتسمة على شكل متواليات لغوية تنظم إلى بعضها على هيئة أنماط سياقية فنية متسقة يبرزها النظم شكلًا وإيقاعًا، و لان هذه الأنماط لا ينتظمها في بنائها التركيبي سوى هيكل نحوي محدد يحاول أن يرتسم العلاقة بين النحو والأداء من جهة وبين النظم والممارسة الإيقاعية المتسلسلة المتوالية من جهة أخرى. رأينا أن التوازي التركيبي يشكل مدخلًا يكاد يكون حديثًا يجدد تلك العلاقة المستديمة المتحدة في تشكيلة النسق القرآني. ذلك ان التوازي منهج بحثي علمي قرآني شائع في نظمه وفي إيقاعه وهو معنى جامع يسهم في بناء وحدة النص ضمن سياق إيقاعي معين يشكل إعتداله وهبوطه وربّما تصاعده بوساطة دالات لغوية معينة تتضافر مع الإيقاع لإبراز التوازي بوصفه ظاهرة لغوية دلالية تدرس متواليات اللغة وفق مديات إيقاعية معينة هي نفسها تكون جرسًا صادحًا