الصفحة 94 من 153

أفاد التوازي في قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 14] من المغايرة في استعمال أدوات النفي.

قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا

وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ

فاستعملت الأداة (لم) في قوله (لم تؤمنوا) ، والأداة (لما) في قوله: (لما يدخل الايمان في قلوبكم) ، وهذا الاستعمال جاء نتيجة لطبيعة كل أداة وما تعطيه من دلالة خاصة في المتواليات مع تماثل الأداتين في اختصاصهما بالفعل المضارع وفي جزمهما له وفي ان الأداتين للنفي، الا انهما اختلفتا في ان منفي (لما) مستمر إلى الحال، أو قريب منه ويتوقع ثبوته، أما منفي (لم) فيحتمل الاتصال ويحتمل الانقطاع [1] . فأعطت كل أداة دلالة معينة للمتوالية التي استعملت فيها، وقوله: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) معناها: (قال جماعة من الأعراب سكان البادية، وهم بنو اسد أول ما دخلوا الإسلام: صدقنا بالله ورسوله وامنا في قلوبنا، فقال الله لهم:(لم تؤمنوا) أي: لم تصدقوا بقلوبكم، ولكن قولوا: أسلمنا، أي: انقدنا لك يارسول الله، واستسلمنا، وسالمناك فلا نحاربك والايمان بعد لم يدخل في قلوبكم) [2] .

أشار النسفي إلى حسن هذا النظم فقال: (فإن قلتَ: مقتضى نظم الكلام أنْ يقال قلْ لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا، أو قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم، قلتُ: أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أولًا، فقيل قل لم تؤمنوا مع أدبٍ حسنٍ، فلم يقل كذبتم تصريحًا، ووضع لم تؤمنوا الذي هو نفي ما ادّعوا ثباتَه موضعَه، واستغنى بقوله لم تؤمنوا عن أن يقال لا تقولوا آمنا لاستهجان ان يخاطبوا بلفظٍ مؤداه النهي عن القول بالإيمان، ولم يقل ولكن أسلمتم ليكون خارجًا مخرج الزعم والدعوى، كما كان قولهم آمنا كذلك، ولو قيل ولكن أسلمتم لكان التسليم والاعتداد بقولهم وهو غير معتدٍ به) [3] .

و (إنما أتت(لم) ولم تأتِ (لن) ، لانه نفي لماضٍ، و (لن) إنما هي نفي لمستقبل، فالقوم انما اخبروا عن أنفسهم بايمان قد مضى، فنفى الله تعالى قولهم بـ (لم) ، ولو اخبروا عن اننفسهم بايمانٍ سيكون، لكان النفي بـ (لن) ؛ الا ترى إلى قوله: (فاستأذنوك للخروج) [التوبة

(1) ينظر: مغني اللبيب: 1/ 278 - 279، فصل النحاة الفروق التي بين (لم) و (لما) والذي يهمنا هنا الفروق بينهما في هذا النص وتأثيرهما في المعنى أما بقية الفروق فلم نتعرض لها.

(2) تفسير الوسيط: 3/ 2480 - 2481.

(3) تفسير النسقي: 4/ 254.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت