يتضمّن هذا الفصل تحليل نظرات الأديب إلى الأشباه والنظائر في الوجود المادّيّ، وفي المعاني الفكريّة، وفي الحركات الاختيارية، وفي المشاعر الوجدانيّة، واستخدامها في تعبيراته الأدبيّة.
إنَّ فكر الإِنسان بجولانه في مستودعات الذاكرة، وبقيامه بأعمال التحليل للصُّوَر الموجودة في جوانبها المختلفة، وللمعاني المجرَّدة الَّتي يستطيع إدراكَها، مع استخدام جهاز التخيُّل، قادرٌ بما وهبه الله عزَّ وجلَّ أن يلحظ بين الأفكار وبين الأشياء، وبين الاحتمالات الممكنة والاحتمالات غير الممكنة ممّا يتصوّره تخيُّلًا، أشباهًا ونظائر، وعناصِرَ قابلةً لأن يلتقطها، ويُخْرِجها فكريًّا من مُركّباتها، ثم يجمع متناثراتها ويؤلِّف منها مركّبَاتٍ وصُورًا جديدة يُعَبِّرُ بها عن فكرة يريد توصيلَها إلى غيره، أو إقناعَ نفسه بإبداعها، لأنه إذا لم يستطع أن يخلُقَ لعجزه عن الخلْق، فلْيُصَوِّرْ بخياله الذي مكَّنَهُ الرَّبّ الخالق من الإِبداع صُورًا جديدة، من أجزاءٍ متناثرة في مصوِّرَته الَّتي التقط أصولها عن طريق حواسّه الظاهرة أو الباطنة، وأدْخَلَها في المحفوظات لَدَيْه.
إنَّ فكر الإِنسان بمساعدة المصوِّرة والمتخيّلة والذاكرة يستطيع أنْ يتصيّد أشباهًا ونظائر ويُبْدعَ صورًا لا حصر لها، ويتفاضلُ أفراد الناس بحسب ما لديهم من هباتٍ رَبَّانيّة في هذا المجال، حتَّى إنّ بعض الناس يستطيع بما وهبه الله أن يستدعي من المحفوظات المصنفة في حافظة الصور لديه ما لا يستطيع غيره، فهو يستدعي ممّا لا يرى الناس فيه أشباهًا ونظائر، عناصِرَ شَبَهٍ جُزْئِيّة، يتنبَّه إليها، بينما تخفى على معظم الناس.