كذلك الحال في المجاز المرسل والمجاز العقليّ، فمنهما ما هو في أدنَى درجات طبقته، بحسب قُرْب إدْراكه، ومنهما ما هو أعلى درجةً وهكذا صاعدًا بحسب بُعْدِ إدْراكه، ما لم يَخْرُجْ عما يُمْكن لأذكياء البلغاء أن يُدْرِكُوه.
فإذا قُلْنا: بنى الحاكم القصر، أي: أمر ببنائه، كان هذا مجازًا عقليًّا من درجة دُنيَا.
وإذا قُلْنا: سرق الحاكم بتهاونه أموال ذوي الأموال، أي: لم يحافظ على الأمن ولم يَقُمْ بواجباته، فمكَّنَ اللّصوص والمجرمين من العدوان على أموال ذوي الأموال، كان هذا مجازًا عقليًّا من درجة أعلى.
ويأتي في دَرَجَة أعلى من هذه الدرجة وأرفع ما نجده في قول الباري عزَّ وجلَّ في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) :
{يابنيءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا ... } [الآية: 26] .
أي: أنزلنا مطرًا فأنبت زرعًا فيه خيوطٌ تُغْزَل وتُنْسَجُ فتكون لباسًا، لِبُعْدِ اللَّوازم.
ولكل مقام مقال، ولكلّ مخاطَبٍ حال يلائمها طبقة من طبقات الكلام، ودرجة من درجاته.
والكلام الأبلغ هو الأكثر مطابقةً لمقتضى حال مَنْ يخاطَبُ به فردًا أو جماعة، ذكورًا، أو إناثًا، أو عَامًّا لِكُلِّ من يَتَلقّاه.