فهرس الكتاب

الصفحة 959 من 1114

ادّعى المتنبي أنّ السّحاب قد أمطرت بسبب ما أصابها من الْحُمَّى التي نزلت بها إذْ حَسَدَت جود ممدوحه. ونفى تعليلًا آخر كان يُمْكِن أن يُعَلِّلَ به، وهو أيضًا تَعْليلٌ ادِّعائي لا حقيقة له، وهو أنَّها أرادت أن تُحَاكِي وتُقَلِّد ممدوحه في الجود.

المثال الثاني: قول أبي تمّام:

لاَ تُنْكِرِي عَطَلَ الكرِيمِ مِنَ الغِنَى ... فَالسَّيلُ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ الْعَالِي

عَطَلَ الكريم مِنَ الغِنَى: أي: خُلوّ الكريم من الغنى، يقال: عَطِلَ يَعْطَلُ عَطَلًا، إذَا خلا.

فعَلَّلَ فَقْرَ الكريم بعلَّةٍ ادَّعاها زُخْرُفيًّا في الكلام دون مستنَدٍ من الحقيقة. هو أنَّ ذا المكانة الرفيعة لا يكون غنيًّا، قياسًا على أنَّ السَّيل لاَ يَصِلُ إلى المكان العالي، وعبَّر عن ذلك بأنَّه حَرْبٌ له.

المثال الثالث: قول المتنبي من قصيدة يمدح بها بَدْرَ بن عمّار:

مَا بِهِ قَتْلُ أَعَادِيهِ وَلَكِنْ ... يَتَّقِي إِخْلاَفَ مَا تَرْجُوا الذِّئَابُ

أي: ما به رغبةٌ في قتل أعاديه حقدًا عليهم وتخلُّصًا مِنْهُم، لكنَّه رجُلٌ جواد اتَّسع جودُه حتَّى صارت الوحوش ترجو عطاءه، فالذئابُ ترجو أنْ يَقْتُلَ لها الناسَ لتَنْعَم بلحوم الْقَتْلَى.

لقد بالَغَ، فتخيَّلَ، فادَّعَى هذِه الدَّعْوى الزُّخْرُفيّة الباطلة، لَكنَّهَا تشتَمِلُ عَلَى فكرةٍ جميلةٍ لا يلتقطها إلاَّ ذو فطنة.

المثال الرابع: قول مسلم بن الوليد:

يَا وَاشيًا حَسُنَتْ فِينَا إِسَاءَتُهُ ... نَجَّى حِذَارُكَ إنْسَانِي مِنَ الْغَرَقِ

الأصلُ في الوشاية أنَّها تَسُوءُ الْمَوشِيَّ بِه، لكنَّ الشاعر رأى أنّ وشاية من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت