المبحث الثالث
البناء الأخلاقي
نقصد بالتربية الخُلقية مجموعة المبادئ الخُلقية،والفضائل السلوكية والوجدانية التي يجب أن يتلقنها الطفل ويكتسبها ويعتاد عليها منذ تمييزه وتعقله إلى أن يصبح مكلفًا إلى أن يتدرج شابًا إلى أن يخوض خضمّ الحياة..
ومما لا شك فيه،ولا جدال معه أن الفضائل الخلقية والسلوكية والوجدانية هي ثمرة من ثمرات الإيمان الراسخ،والتنشئة الدينية الصحيحة...
فالطفل منذ نعومة أظفاره حين ينشأ على الإيمان بالله،ويتربّى على الخشية منه،والمراقبة له،والاعتماد عليه،والاستعانة به،والتسليم لجنابه فيما ينوب ويروع..تصبح عنده الملكة الفطرية،والاستجابة الوجدانية لتقبل كل فضيلة ومكرمة،والاعتياد على كل خلق فاضل كريم..لأن الوازع الديني الذي تأصل في ضميره،والمراقبة الإلهية التي ترسخت في أعماق وجدانه،والمحاسبة النفسية التي سيطرت على تفكيره وإحساساته..كل ذلك بات حائلًا بين الطفل وبين الصفات القبيحة والعادات الآثمة المرذولة،والتقاليد الجاهلية الفاسدة..بل إقباله على الخير يصبح عادة من عاداته،وتعشقه المكارم والفضائل يصير خُلقًا أصيلًا من أبرز أخلاقه وصفاته...
وحينما تكون التربية للطفل بعيدة عن العقيدة الإسلامية،مجردة من التوجيه الديني،والصلة بالله عز وجل..فإن الطفل - لا شك - يترعرع على الفسوق والانحلال،وينشأ على الضلال والإلحاد،بل سيُتبع نفسه هواها،ويسير خلف نوازع النفس الأمارة،ووساوس الشيطان،وفقًا لمزاجه وأهوائه وأشواقه الهابطة.
(فإن كان مزاجه من النوع"الهادئ المسالم"عاش في الحياة غافلًا بليدًا،حيًّا كميِّت،وموجودًا كمفقود،ولا يحس أحد بحياته،ولا يترك فراغًا بعد موته،ورحم الله من قال:
فذاك الذي إنْ عاش لم يُنتفع به وإنْ مات لا تبكي عليه أقاربُه