فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 586

ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنَ الْأَمْرِ بِقَتْلِ هَؤُلَاءِ الْمُحَارِبِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ أُدْرِكُوا فِيهِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَقَالَ: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ) أَيْ: إِنَّ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ يَكُونُ آمِنًا ، إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَ هُوَ فِيهِ وَيَنْتَهِكَ حُرْمَتَهُ فَلَا أَمَانَ حِينَئِذٍ . وَلَمَّا كَانَ الْقَتْلُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَمْرًا عَظِيمًا يُتَحَرَّجُ مِنْهُ أَكَّدَ الْإِذْنَ فِيهِ بِشَرْطِهِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِمَا فُهِمَ مِنَ الْغَايَةِ فَقَالَ: (فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) وَلَا تَسْتَسْلِمُوا لَهُمْ ، فَالْبَادِئُ هُوَ الظَّالِمُ ، وَالْمُدَافِعُ غَيْرُ آثِمٍ (كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) أَيْ: إِنَّ مِنْ سُنَّةِ اللهِ تَعَالَى أَنْ يُجَازِيَ الْكَافِرِينَ مِثْلَ هَذَا الْجَزَاءِ ، فَيُعَذِّبُهُمْ فِي مُقَابَلَةِ تَعَرُّضِهِمْ لِلْعَذَابِ بِتَعَدِّي حُدُودِهِ فَيَكُونُوا هُمُ الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ . وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (( وَلَا تَقْتُلُوهُمْ . . . . حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ) )مِنْ قَتَلَ الثُّلَاثِيِّ ، وَيَخْرُجُ عَلَى أَنَّ قَتْلَ بَعْضِ الْأُمَّةِ كَقَتْلِ جَمِيعِهَا لِتَكَافُلِهَا . وَالْمُرَادُ حَتَّى لَا يَقْتُلُوا أَحَدًا مِنْكُمْ ، فَإِنْ قَتَلُوا أَحَدًا فَاقْتُلُوهُمْ وَهُوَ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ بَلِيغٌ . ثُمَّ قَالَ: (فَإِنِ انْتَهَوْا) عَنِ الْقِتَالِ فَكُفُّوا عَنْهُمْ ، أَوْ عَنِ الْكُفْرِ فَإِنَّ اللهَ يَقْبَلُ مِنْهُمْ (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يَمْحُو عَنِ الْعَبْدِ مَا سَلَفَ ، إِذَا هُوَ تَابَ عَمَّا اقْتَرَفَ ، وَيَرْحَمُهُ فِيمَا بَقِيَ ، إِذَا هُوَ أَحْسَنَ وَاتَّقَى (إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (7: 56)

(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) عَطَفَ عَلَى (قَاتِلُوا) فِي الْآيَةِ الْأُولَى ، فَتِلْكَ بَيَّنَتْ بِدَايَةَ الْقِتَالِ وَهَذِهِ بَيَّنَتْ غَايَتَهُ وَهِيَ أَلَّا يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ ; وَلِهَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: أَيْ حَتَّى لَا تَكُونَ لَهُمْ قُوَّةٌ يَفْتِنُونَكُمْ بِهَا وَيُؤْذُونَكُمْ ; لِأَجْلِ الدِّينِ ، وَيَمْنَعُونَكُمْ مِنْ إِظْهَارِهِ أَوِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) وَفِي آيَةِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) (9: 39) أَيْ: يَكُونُ دِينُ كُلِّ شَخْصٍ خَالِصًا لِلَّهِ لَا أَثَرَ لِخَشْيَةِ غَيْرِهِ فِيهِ ، فَلَا يُفْتَنُ لِصَدِّهِ عَنْهُ وَلَا يُؤْذَى فِيهِ ، وَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الدِّهَانِ وَالْمُدَارَاةِ ، أَوِ الِاسْتِخْفَاءِ أَوِ الْمُحَابَاةِ ، وَقَدْ كَانَتْ مَكَّةُ إِلَى هَذَا الْعَهْدِ قَرَارَ الشَّرَكِ ، وَالْكَعْبَةُ مُسْتَوْدَعَ الْأَصْنَامِ ، فَالْمُشْرِكُ فِيهَا حُرٌّ فِي ضَلَالَتِهِ ، وَالْمُؤْمِنُ مَغْلُوبٌ عَلَى هِدَايَتِهِ ، قَالَ: (فَإِنِ انْتَهَوْا) أَيْ: فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ (فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) أَيْ: فَلَا عُدْوَانَ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ الْعُدْوَانَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الظَّالِمِينَ تَأْدِيبًا لَهُمْ لِيَرْجِعُوا عَنْ ظُلْمِهِمْ ، فِي الْكَلَامِ إِيجَازٌ بِالْحَذْفِ ، وَاسْتِغْنَاءٌ عَنِ الْمَحْذُوفِ بِالتَّعْلِيلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: فَإِنِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت