فهرس الكتاب

الصفحة 560 من 586

المبحث الثالث والعشرون

قتال المحاربين لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - والمفسدين في الأرض

قال تعالى: { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) } [المائدة/33-34]

المُحَارَبَةُ هُنَا هِيَ المُخَالَفَةُ وَالمُضَادَّةُ ، لأنَّ فِيهَا عَدَمَ إذْعَانٍ لِدِينِ اللهِ وشَرْعِهِ ، فِي حِفْظِ الحُقُوقِ ، وَهِيَ تَصْدُقُ عَلَى الكُفْرِ ، وَعَلى قَطْعِ الطَّرِيقِ ، وَإِخَافَةِ السَّابِلَةِ . وَكَذَلِكَ يُطْلَقُ الإِفْسَادُ فِي الأَرْضِ عَلَى أنْواعٍ مِنَ الشَّرِّ وَالفَسَادِ .

وَيَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَهْدٌ وَمِيثَاقٌ فَنَقَضُوا العَهْدَ ، وَأَفْسَدُوا فِي الأَرْضِ ، فَخَيَّرَ اللهُ رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - إنْ شَاءَ أنْ يَقْتُلَهُمْ ، وَإنْ شَاءَ أنْ يَقْطَعَ أيْدِيَهُمْ وَأرْجُلَهُمْ مِنْ خِلافٍ ( أيْ إنْ قَطَعَ اليَدَ اليُمْنَى قَطَعَ مَعَهَا الرِّجْلَ اليُسْرَى ، وَالعَكْسُ عَلَى العَكْسِ ) أَو أَنْ يَنْفِيَهُمْ مِنَ الأَرْضِ التِي ارْتُكِبَ فِيها الجُرْمُ إلى أرْضٍ أُخْرَى لِيُسْجَنُوا فِيهَا ( وَالنَفْي فِي مَفْهُومِ أبي حَنِيفَة هُوَ السِجْن ) وَالصَحِيح: أنَّ عَامَّةٌ تَشْمَلُ كُلَّ مَنْ ارتَكَبَ عَمَلًا مِنْ أعمَالِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ .

وَحُكْمُ المُحَارَبَةِ عِنْدَ الأئْمَةِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وابْنِ حَنْبَل يَكُونُ فِي الأمْصَارِ كَمَا يَكُونُ فِي الطُرِقِ خَارِجَ المُدُنِ ، حَتَّى إِنَّ مَالِكًا جَعَلَ المُحَارَبَةَ تَشْمَلُ حَالَةَ الرَّجُلِ الذِي يَخْدَعُ رَجُلًا فَيُدْخِلُهُ بَيْتَهُ فَيَقْتُلُهُ وَيَأخُذُ مَا مَعَهُ .

وَقَالَ أبو حَنِيفَة إنَّمَا تَكُونُ المُحَارَبَةُ فِي الطُّرُقَاتِ لِبُعْدِ النَّاسِ عَمَّنْ يُغِيثُ ، أَمَّا فِي الأمْصَارِ فَلاَ تَكُونُ مُحَارَبَةٌ لأنَّ الإنْسَانَ قَدْ يَلْحَقُهُ غَوْثٌ إذَا اسْتَغَاثَ .

وَفِي حَالَةِ المُحَارَبَةِ يَكُونُ دَمُ المَقْتُولِ للسُّلْطَانِ لاَ إلى وَليِّ المَقْتُولِ ، وَلاَ يَكُونُ عَفْوُهُ سَبَبًا فِي اسْقَاطِ العُقُوبَةِ .

وَقَالَ الشَّافِعِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّ العُقُوبَةَ تَكُونُ عَلَى الشَّ: ْلِ التَّالِي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت