المبحث التاسع
قتال من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر من أهل الكتاب
قال تعالى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) } [التوبة/29]
بَعْدَ أَنِ اسْتَقَامَتِ الأمُورُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ ، بِدُخُولِ النَّاسِ فِي الإِسْلاَمِ ، أمَرَ اللهُ تَعَالَى بِقِتَالِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ ، لِذَلِكَ تَجَهَّزَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - لِقِتَالِ الرُّومِ ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ ، وَأَظْهَرَهُ لَهُمْ ، وَنَدَبَ المُؤْمِنِينَ إِلَى الجِهَادِ ، وَتَخَلَّفَ بَعْضُ المُنَافِقِينَ ، وَكَانَ ذَلِكَ العَامُ عَامَ جَدْبٍ ، وَالْوَقْتُ فِي شِدَّةِ الحَرِّ ، وَخَرَجَ الرَّسُولُ وَصَحْبُهُ إِلَى تَبُوكَ ، فَنَزَلَ بِهَا ، وَأَقَامَ فِيهَا قُرَابَةَ عِشْرِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ رَجَعَ لِضِيقِ الحَالِ ، وَضَعْفِ النَّاسِ .
فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالإِسْلاَمِ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ ، فَرَضَ اللهُ عَلَى المُسْلِمِينَ قِتَالَهُ ، حَتَّى يُعْطِيَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ مَقْهُورَةٍ مَغْلُوبَةٍ ، وَهُوَ خَاضِعٌ صَاغِرٌ .
وَيَجِبُ قِتَالُ أَهْلِ الكِتَابِ إِذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِمْ أَرْبَعُ صِفَاتٍ هِيَ العِلَّةُ فِي عَدَاوَتِهِمْ لِلإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ:
-أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ، لأَنَّهُمْ هَدَمُوا التَّوْحِيدَ فَاتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ مُشَرِّعِينَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ المَسِيحَ وَعُزَيْرًا .
-أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاليَوْمِ الآخِرِ ، إِذْ يَقُولُونَ إِنَّ الحَيَاةَ الآخِرَةَ هِيَ حَيَاةٌ رُوحَانِيَّةٌ يَكُونُ فِيهَا النَّاسُ كَالمَلائِكَةِ
-أَنَّهُمْ لاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولَهُ ، وَلاَ يَلْتَزِمُونَ العَمَلَ بِمَا حَرَّمَ عَلَيهِمْ .
-أَنَّهُمْ لاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ الذِي أَوْحَاهُ اللهُ إِلَى أَنْبِيَائِهِ ، وَإِنَّمَا يَتَّبِعُونَ دِينًا وَضَعَهُ لَهُمْ أَحْبَارُهُمْ وَأَسْاقِفَتُهُمْ .