إذَا قَتَلُوا يُقْتَلُونَ بِمَنْ قَتَلُوا .
إذَا قَطَعُوا وَغَضَبُوا المَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا تُقْطَعُ أيْدِيهِمْ وَأرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ ، وَيُنْفَوْنَ مِنْ بَلَدٍ إلى بَلَدٍ آخَرَ .
إذَا أخَافُوا السَّابِلَةَ فَقَطْ يُحْبَسُونَ .
وَهذا الجَزَاءُ هُوَ عَارٌ لَهُمْ وَنَكَالٌ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا ( خِزْيٌ ) ، وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، إذَا لَمْ يَتُوبُوا مِنْ فِعْلِهِمْ حَتَّى تَحِينَ وَفَاتُهُمْ .
وَأكْثَرُ الأئِمَّةِ يَتَّفِقُونَ عَلَى أنَّ هَاتَينِ الآيَتَينِ نَزَلَتَا فِي جَمَاعةٍ مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ ، قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَتَكَلَّمُوا بِالإسْلاَمِ فَوَجَدُوا المَدِينَةَ رَدِيئَةَ المُنَاخِ ، فَأَمَرَ لَهُمُ النَّبِيُّ بِبَعْضِ الإِبْلِ وَبِرَاعٍ ، وَأَمَرَهُمْ بِالخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ إلَى أَطْرَافِهَا لِيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إذَا كَانُوا بِنَاحِيَةِ الحَرَّةِ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ، وَاسْتَاقُوا الإبِلَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيِّ فَأَرْسَلَ فِي الطَلَبِ فِي آثَارِهِمْ ، فأُتِيَ بِهِمْ إلى النَّبِيِّ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِهِمْ ، فَسُمِلَتْ أَعْيُنُهُمْ ، وَقُطِعَتْ أيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَتُرِكُوا حَتَّى مَاتُوا .
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ لِبَيَانِ عُقُوبَةِ المُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ .
فَإِذا تَابَ الجُنَاةُ المُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ قَبْلَ أَنْ تَقْدِرَ عَلَيْهِمُ السُّلْطَةُ فِي البَلَدِ ، سَقَطَ عَنْهُمُ العِقَابُ المَفْرُوضُ ( وَهُوَ القَتْلُ أَوْ الصَّلْبُ أَوْ قَطْعُ اليَدَينِ . . ) وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، يَقْبَلُ تَوْبَةَ مَنْ تَابَ ، وَهُوَ مُخْلِصٌ فِيهَا ، لأنَّ تَوْبَتَهُمْ وَهُمْ فِي قُوَّةٍ وَمَنَعَةٍ جَدِيرَةٌ بِأَنْ تَكُونَ خَالِصَةً للهِ ، صَادِرَةً عَنْ اعْتِقَادٍ بِقُبْحِ الذَّنْبِ ، وَالعَزْمِ عَلَى تَرْكِ العَوْدَةِ إلى فِعْلِ مِثْلِهِ ( وَلَكِنْ تَبْقَى عَلَيهِمْ حُقُوقُ العِبَادِ ) [1] .
وقال المراغي:"بعد أن أبان سبحانه فظاعة جرم القتل ، وشدّد في تبعة القاتل فذكر أن من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا - ذكر هنا العقاب الذي يؤخذ به المفسدون في الأرض حتى لا يتجرأ غيرهم على مثل فعلهم ، وقد ذهب أكثر الأئمة إلى أن الآيتين نزلتا في عكل وعرينة ،"
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 703)