غيره فيه ، فلا يفتن بصده عنه ولا يؤذى فيه ، ولا يحتاج فيه إلى مداهنة ومحاباة ، أو استخفاء ومداراة.
وقد كان المسلمون في ابتداء الإسلام مغلوبين على أمرهم ، والمشركون في ضلالتهم هم أصحاب الحول ، وكانت مكة قرارة الشرك ، والكعبة مستودع الأصنام ، فأبى اللّه إلا أن يتمّ نوره ، فمكّن للمؤمنين في الأرض ، ففتحوا مكة وحطّموا تلك الأصنام ، وكسروا اللات والعزّى « وتمّت كلمة ربّك صدقا وعدلا لا مبدّل لكلماته » .
(فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) أي فإن انتهوا عما كانوا عليه وأسلموا ، فلا تعتدوا عليهم ، لأن العقوبة والعدوان إنما تكون على الظالمين تأديبا لهم ، ليرجعوا عن ظلمهم وغيهم. [1]
وقال تعالى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) } [الأنفال/39، 40]
يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنْ يُقَاتِلُوا الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ حَتَّى لاَ يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يَسْتَطِيعُ فِتْنَةَ المُؤْمِنِينَ ، عَنْ دِينِهِمْ بِالعَذَابِ وَالإِيذَاءِ وَالتَّهْدِيدِ ، وَحَتَّى يَكُونَ الدَّينُ كُلُّهُ للهِ . فَإذا انْتَهَى المُشْرِكُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ، وَكَفُّوا عَنْهُ ( وَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا بِوَاطِنَهُمْ ) فَكُفُّوا عَنْهُمْ ، وَكِلُوا بِوَاطِنَهُمْ إلَى اللهِ ، فَهُوَ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ .
وَإِنِ اسْتَمَرُّوا عَلَى خِلاَفِهِمْ لَكُمْ ، وَمُحَارَبَتِهِمْ إِيَّاُكْم فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاَكُمْ وَنَاصِرُكُمْ عَلَى أَعْدَائِهِ وَأَعْدَائِكُمْ ، وَهُوَ نِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّاصِرُ ، فَأيْقِنُوا بِنَصْرِ اللهِ لَكُمْ ، وَهُوَ مُتَوَلِّي أُمُورِكُمْ ، فَلاَ تُبَالُوا بِهِمْ ، وَلاَ تَخْشَوْهُمْ .
وقال الخطيب:"هو أمر للمسلمين ، وبيان لموقفهم الذي يقفونه من المشركين ، وهو الجدّ في قتالهم ، وأخذهم بالبأساء والضراء حتى تنكسر شوكتهم ، وتضعف قوتهم ، فلا"
(1) - تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع - (2 / 90)