قلوبهم صورة هذا الدين! .. والحمد للّه الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه .." [1] "
وقال الجصاص: قوله تعالى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ: { حَتَّى لَا يَكُونَ شِرْكٌ } . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ: { حَتَّى لَا يُفْتَتَنَ مُؤْمِنٌ عَنْ دِينِهِ } . وَالْفِتْنَةُ هَهُنَا جَائِزٌ أَنْ يُرِيدَ بِهَا الْكُفْرَ وَجَائِزٌ أَنْ يُرِيدَ بِهَا الْبَغْيَ وَالْفَسَادَ ; لِأَنَّ الْكُفْرَ إنَّمَا سُمِّيَ فِتْنَةً لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ , فَتَنْتَظِمُ الْآيَةُ قِتَالَ الْكُفَّارِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ وَأَهْلِ الْعَبَثِ وَالْفَسَادِ , وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ قِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ . وقوله تعالى: { وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ قِتَالِ سَائِرِ أَصْنَافِ أَهْلِ الْكُفْرِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ , فَإِنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ . وَيَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ لَا يُقَرُّ سَائِرُ الْكُفَّارِ عَلَى دِينِهِمْ بِالذِّمَّةِ إلَّا هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ , لِقِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَى جَوَازِ إقْرَارِهَا بِالْجِزْيَةِ . [2]
وقال ابن العربي: قوله تعالى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدَّيْنُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْلَمُونَ بَصِيرٌ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } . يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ , وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ كُفْرٌ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا يُفْتَنَ أَحَدٌ عَنْ دِينِهِ . وَكِلَاهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا , وَهَذِهِ الْغَايَةُ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِنُزُولِ عِيسَى . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ:خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ فَرَجَوْنَا أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا . قَالَ: فَبَادَرَنَا إلَيْهِ رَجُلٌ , فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ,حَدِّثْنَا عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ ,وَاَللَّهُ يَقُولُ: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ } .فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ ؟ ثَكِلَتْك أُمُّك , إنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ , وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ فِتْنَةً ,وَلَيْسَ بِقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ [3] .
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 1508)
(2) - أحكام القرآن للجصاص - (ج 6 / ص 365)
(3) - أحكام القرآن لابن العربي - (ج 4 / ص 122)