ولكن المرجو من الله تعالى، الذي مَنّ على المؤمنين بالإسلام، واختار لهم دينه القيم، وأكمل لهم دينه، أن يتم عليهم نعمته بالقيام به أتم القيام، وأن يخذل كل من أراد أن يطفئ نوره، ويجعل كيدهم في نحورهم، وينصر دينه، ويعلي كلمته.
وتكون هذه الآية صادقة على هؤلاء الموجودين من الكفار، كما صدقت على من قبلهم: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } .
ثم أخبر تعالى أن من ارتد عن الإسلام، بأن اختار عليه الكفر واستمر على ذلك حتى مات كافرا، { فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } لعدم وجود شرطها وهو الإسلام، { وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .ودلت الآية بمفهومها، أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام، أنه يرجع إليه عمله الذي قبل ردته، وكذلك من تاب من المعاصي، فإنها تعود إليه أعماله المتقدمة." [1] "
وفي تفسير المنار:"صَرَّحَ بِالْعِلَّةِ الْعَامَّةِ لِمَشْرُوعِيَّةِ الْقِتَالِ ، وَهِيَ فِتْنَةُ النَّاسِ عَنْ دِينِهِمْ فَقَالَ: (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْتِنُونَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ بِإِلْقَاءِ الشُّبُهَاتِ وَبِمَا عُلِمَ مِنَ الْإِيذَاءِ وَالتَّعْذِيبِ ، كَمَا فَعَلُوا بِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَعَشِيرَتِهِ ، وَبِلَالٍ وُصَهَيْبٍ وَخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ وَغَيْرِهِمْ كَانَ عَمَّارٌ يُعَذَّبُ بِالنَّارِ ؛ يُكْوَى بِهَا لِيَرْجِعَ عَنِ الْإِسْلَامِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَمُرُّ بِهِ فَيَرَى أَثَرَ النَّارِ بِهِ كَالْبَرَصِ . وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: إِنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَأَبَاهُ وَأَخَاهُ عَبْدَ اللهِ وَسُمَيَّةَ أُمَّهُ كَانُوا يُعَذَّبُونَ فِي اللهِ ، فَمَرَّ بِهِمُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: (( صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ ، صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ ) )وَفِي رِوَايَةٍ (( صَبْرًا يَا آلَ يَاسِرٍ ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِآلِ يَاسِرٍ، وَقَدْ فَعَلْتُ ) )."
مَاتَ يَاسِرٌ فِي الْعَذَابِ وَأُعْطِيَتْ سُمَيَّةُ أُمُّ عَمَّارٍ لِأَبِي جَهْلٍ يُعَذِّبُهَا - وَكَانَتْ مَولَاةً لِعَمِّهِ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَهُوَ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِ بِتَعْذِيبِهَا - فَعَذَّبَهَا عَذَابًا شَدِيدًا رَجَاءَ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا فَلَمْ تُجِبْهُ لِمَا يَسْأَلُ ، ثُمَّ طَعَنَهَا فِي فَرْجِهَا بِحَرْبَةٍ فَمَاتَتْ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - وَكَانَتْ عَجُوزًا كَبِيرَةً ، وَكَانَ أَبُو جَهْلٍ يَقُولُ لَهَا مَعَ ذَلِكَ: مَا آمَنْتِ بِمُحَمَّدٍ إِلَّا أَنَّكِ
(1) - تفسير السعدي - (1 / 97)