يُفِيدُ الشَّكَّ فِي اسْتِطَاعَتِهِمْ وَعَدَمِ الثِّقَةِ بِهَا; لِأَنَّ مَنْ عَرَفَ الْإِسْلَامَ مَعْرِفَةً صَحِيحَةً - وَهُوَ الْحَقُّ الصَّرِيحُ - لَا يَرْجِعُ عَنْهُ إِلَى الْكُفْرِ - وَهُوَ الْبَاطِلُ الْمَفْضُوحُ - وَهَكَذَا كَانَ وَهَكَذَا يَكُونُ ، فَلَا يَزَالُ الْكُفَّارُ يُقَاتِلُونَنَا لِيَرُدُّونَا عَنْ دِينِنَا إِنِ اسْتَطَاعُوا ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا .
وَلَمَّا ذَكَرَ الرِّدَّةَ الَّتِي يَبْغُونَهَا بِقِتَالِهِمْ بَيَّنَ حُكْمَهَا فَقَالَ: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أَيْ: وَمَنْ يَرْجِعْ مِنْكُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفْرِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَيْهِ - فَرْضًا - فَأُولَئِكَ الْمُرْتَدُّونَ هُمُ الَّذِينَ بَطَلَتْ وَفَسَدَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدَّارَيْنِ حَتَّى كَأَنَّ وَاحِدَهُمْ لَمْ يَعْمَلْ صَالِحًا قَطُّ; لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنِ الْإِيمَانِ إِلَى الْكُفْرِ يُشْبِهُ الْآفَةَ تُصِيبُ الْمُخَّ وَالْقَلْبَ فَتَذْهَبُ بِالْحَيَاةِ; فَإِنْ لَمْ يَمُتِ الْمُصَابُ بِعَقْلِهِ وَقَلْبِهِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ لَا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَقَعُ فِي ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ هُدِيَ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ تَفْسُدُ رُوحُهُ وَيُظْلِمُ قَلْبُهُ ، فَيَذْهَبُ مِنْ نَفْسِهِ أَثَرُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمَاضِيَةِ ، وَلَا يُعْطَى شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ الظَّاهِرَةِ ، فَيَخْسَرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ
يَقُولُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إِنَّ الْمُرْتَدَّ تَبْطُلُ أَعْمَالُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ ، وَحَتَّى إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَةُ نَحْوِ الْحَجِّ إِذَا رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَتُطَلَّقُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ طَلَاقًا بَائِنًا فَلَا تَعُودُ إِلَيْهِ إِذَا هُوَ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ . وَيَقُولُ غَيْرُهُمْ: إِنَّ حُبُوطَ الْعَمَلِ مَشْرُوطٌ بِالْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ; فَإِذَا ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ مُدَّةً ثُمَّ عَادَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَةُ نَحْوِ الْحَجِّ ، وَأَمَّا امْرَأَتُهُ فَإِنَّهَا تَكُونُ مَوْقُوفَةً إِلَى انْتِهَاءِ الْعِدَّةِ ، فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا كَانَتْ عَلَى عِصْمَتِهِ ، وَإِنْ عَادَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَإِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ ، وَلِلرِّدَّةِ أَحْكَامٌ أُخْرَى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ تُطْلَبُ مِنْ كُتُبِهِمْ .
وَمَعْنَى الْآيَةِ ظَاهِرٌ ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَنْتَفِعُ بِأَعْمَالِ الْإِسْلَامِ فِي دُنْيَاهُ وَلَا فِي أُخْرَاهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الرُّجُوعَ عَنِ الدِّينِ رُجُوعٌ عَنْ أُصُولِهِ الْأَسَاسِيَّةِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ:
(1) الْإِيمَانُ بِأَنَّ لِهَذَا الْكَوْنِ الْعَظِيمِ الْمُتْقَنِ فِي وَحْدَةِ نِظَامِهِ وَبَدِيعِ إِحْكَامِهِ ، رَبًّا إِلَهًا أَبْدَعَهُ وَأَتْقَنَهُ بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ بِغَيْرِ مُسَاعِدٍ وَلَا وَاسِطَةٍ ، فَلَا تَأْثِيرَ لِغَيْرِهِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ إِلَّا مَا هَدَى هُوَ النَّاسَ إِلَيْهِ بِاطِّرَادِ سُنَنِهِ فِي الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ; فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، لَا فِي الدُّعَاءِ وَلَا فِي غَيْرِهِ مِنْ مَعَانِي الْعِبَادَةِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا فِي سُورَةِ