فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 586

وقوله تعالى « فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ » هو قيد وارد على الشرط في قوله سبحانه: «مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ » فالحكم الواقع على المرتد هنا ـ وهو خسران أعماله في الدنيا وعذابه في الآخرة ـ ليس على إطلاقه ، وإنما هو لمن ارتد ثم ثبت على ردته إلى أن مات .. أما من نظر إلى نفسه ، واستنقذها من الشرك ، وعاد إلى الإيمان بقلب سليم ، ونفس لوّامة ، فقد غسل حوبته بتوبته ، ومسح بنور إيمانه على ظلام شركه: « وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا » (110: النساء) .

وأما قوله سبحانه: « فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ .. » فهو حكم على حياتهم وهم في لباس الشرك ، بالبوار والخسران في الدنيا والآخرة ..أما في الدنيا فلأنهم يعملون في تجارة خاسرة ، وإن خيّل إليهم أنهم قد ملئوا أيديهم من دنياهم ، وضمنوا السلامة في أنفسهم وأهليهم وأموالهم ، فذلك كله إلى زوال. وأما في الآخرة فلأنهم يساقون إليها وقد صفرت أيديهم من كل شىء يعود عليهم نفعه في هذا اليوم ، فضلا عما يثقل ظهورهم من أوزار الشرك والضلال .." [1] "

وفي الظلال:"إن المسلمين لم يبدأوا القتال ، ولم يبدأوا العدوان. إنما هم المشركون. هم الذين وقع منهم الصد عن سبيل اللّه ، والكفر به وبالمسجد الحرام. لقد صنعوا كل كبيرة لصد الناس عن سبيل اللّه. ولقد كفروا باللّه وجعلوا الناس يكفرون. ولقد كفروا بالمسجد الحرام. انتهكوا حرمته فآذوا المسلمين فيه ، وفتنوهم عن دينهم طوال ثلاثة عشر عاما قبل الهجرة. وأخرجوا أهله منه ، وهو الحرم الذي جعله اللّه آمنا ، فلم يأخذوا بحرمته ولم يحترموا قدسيته .."

وإخراج أهله منه أكبر عند اللّه من القتال في الشهر الحرام .. وفتنة الناس عن دينهم أكبر عند اللّه من القتل.

وقد ارتكب المشركون هاتين الكبيرتين فسقطت حجتهم في التحرز بحرمة البيت الحرام وحرمة الشهر الحرام.

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 240)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت