ثم ذكر الغاية من إرسال محمد خاتم النبيين بدين الحق فقال: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) أي ليعلى هذا الدين ويرفع شأنه على جميع الأديان بالحجة والبرهان ، والهداية والعرفان ، والسيادة والسلطان ، ولم يكن لدين من الأديان مثل ما للإسلام من التأثير الروحي والعقلي والمادي والاجتماعى والسياسى.
روى أحمد عن عدى بن حاتم رضى اللّه عنه قال: « دخلت على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقال يا عدى أسلم تسلم ، قلت إنى من أهل دين ، قال أنا أعلم بدينك منك ، فقلت أنت أعلم بديني منى ؟ قال نعم. أ لست من الرّكوسية (دين بين الصابئة والنصرانية) وأنت تأكل مرباع قومك (والمرباع ما كان يأخذه رئيس القوم من الغنائم وهو من عادات الجاهلية) قلت بلى (قال فإن هذا لا يحل لك في دينك) قال فلم يعد أن قالها فتواضعت لها ، قال: أما إنى أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام ؟ تقول إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له وقد رمتهم العرب ، أتعرف الحيرة ؟ قلت لم أرها ولكن سمعت بها. قال فوالذى نفسى بيده ليتمّن اللّه هذا الدين حتى تخرج الظّعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد ، ولتفتحنّ كنوز كسرى ابن هرمز. قلت كسرى بن هرمز ؟ قال نعم كسرى بن هرمز ، وليبذلنّ المال حتى لا يقبله أحد » . قال عدىّ: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار أحد ، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز ، والذي نفسى بيده لتكونن الثالثة ، لأن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قالها.
(وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) ذلك الإظهار ، وقد وصفهم بالشرك بعد أن وصفهم بالكفر للدلالة على أنهم جمعوا بين الكفر بالرسول وتكذيبه ، والشرك باللّه.
وفى الجملتين إخبار بأن إتمام اللّه لدينه وإظهاره جميع الأديان سيكون بالرغم من جميع الكفار المشركين منهم وغير المشركين." [1] "
وفي الظلال:"إن أهل الكتاب هؤلاء لا يقفون عند حد الانحراف عن دين الحق ، وعبادة أرباب من دون اللّه. وعدم الإيمان باللّه واليوم الآخر - وفق المفهوم الصحيح للإيمان باللّه واليوم الآخر - إنما هم كذلك يعلنون الحرب على دين الحق ويريدون إطفاء"
(1) - تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع - (10 / 103)