وَهَؤُلاءِ لاَ يَقْنَعُونَ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ وَالغِوَايةِ ، بَلْ يَطْمَعُونَ فِي أنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ ، وَهُمْ يَوَدُّونَ لَكُمُ الضَّلاَلَةَ لِتَسْتَوُوا أَنْتُمْ وَإِيَّاهُمْ فِيهَا ، وَمَا ذَلِكَ إلاَّ لِشِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ وَبُغْضِهِمْ لَكُمْ ، فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ وَنُصَرَاءَ وَأَصَدِقاءَ ، حَتَّى يُؤْمِنُوا وَيُهَاجِرُوا إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ، لِيُثْبِتُوا صِدْقَ إِيمَانِهِمْ ، فَإِنْ رَفَضُوا الهِجْرَةَ ( تَولَّوا ) وَلَزِمُوا مَوَاضِعَهُمْ ، وَأَظْهَرُوا كُفْرَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، وَلاَ تُوَالُوهُمْ ، وَلاَ تَسْتَنْصِرُوا بِهِمْ عَلَى عَدُوّ لَكُمْ مَا دَامُوا كَذَلِكَ .
اسْتَثْنَى اللهُ تَعَالَى مِنْ هَؤُلاَءِ الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ الذِينَ أَوْجَبَ قَتْلَهُمْ ، حَيْثُ وَجَدَهُمُ المُسْلِمُونَ ، الذِينَ لَجَؤُوا وَانْحَازُوا إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقُ مُهَادَنَةٍ ، أَوْ عَقْدُ ذِمَّةٍ يَمْنَعُ قَتْلَ المُنْتَمِينَ لأحَدِ الفَرِيقَيْنِ ، فَاجْعَلُوا حُكْمَهُمْ كَحُكْمِ هَؤُلاءِ . وَاستَثْنَى اللهُ تَعَالَى مِنَ القَتْلِ فِئَةً أُخْرَى مِنَ النَّاسِ جَاءَتْ إلى مَيْدَانِ الحَرْبِ وَصُدُورُهُمْ ضَيِّقَةٌ ، وَهُمْ كَارِهُونَ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ ، وَلاَ يَهُونُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا أَنْ يُقَاتِلوا قَوْمَهُمْ مَعَكُمْ ، بَلْ هُمْ لاَ لَكُمْ وَلاَ عَلَيْكُمْ ، وَمِنْ لُطْفِ اللهِ بِكُمْ أَنْ كَفَّهُمْ عَنْكُمْ ، فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ ، وَأَرَادُوا مُسَالَمَتَكُمْ فَلَيْسَ لَكُمْ أَنْ تُقَاتِلُوهُمْ ، مَا دَامَتْ حَالُهُمْ كَذَلِكَ .
وَقَالَ الرَّازِي: إنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَادَعَ وَقْتَ خُرُوجِهِ إلى مَكَّةَ هِلاَلَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الأَسْلَمِيِّ عَلَى ألاَّ يُعِينَهُ وَلاَ يُعِينَ عَلَيهِ ، وَعَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ وَصَلَ إلى هِلالٍ وَلَجأ إليهِ فَلَهُ مِنَ الجِوَارِ مِثْلُ مَا لِهِلالٍ .
وَهَؤُلاَءِ كَالجَمَاعَةِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ الذِينَ خَرَجُوا يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ قُرَيشٍ فَحَضَرُوا القِتَالَ وَهُمْ كَارِهُونَ ، لِذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ عَنْ قَتْلِ العِبَّاسِ ، وَأَمَرَ بِأسْرِهِ .
وَهُنَاكَ فِئَةٌ مُنَافِقَةٌ ، يُظْهِرُونَ لِلنَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ الإِسْلاَمَ ، لِيَأْمَنُوا بِذَلِكَ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ ، وَيُصَانِعُونَ الكُفَّارَ فِي البَاطِنِ ، فَيَعْبُدُونَ مَعَهُمْ مَا يَعْبُدُونَ لِيَأْمَنُوا بِذَلِكَ عِنْدَهُمْ ، وَهُمْ فِي البَاطِنِ مَعْ أُولَئِكَ ، وَكُلَّمَا دُعُوا إلى الشِّرْكِ ( الفِتْنَةِ ) أَوْغَلُوا فِيهِ وَانْهَمَكُوا ، وَتَحَوَّلُوا إلَيهِ أَقْبَحَ تَحوُّلٍ ، فَهَؤُلاَءِ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - بِقِتَالِهِمْ إلى أنْ يَعْتَزِلُوا القِتَالَ ، وَيَقْبَلُوا بِالصُّلْحِ وَالمُهَادَنَةِ ، وَيُلْقُوا إلى المُسْلِمِينَ زِمَامَ المُسَالَمَةِ وَالمُهَادَنَةِ ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِلمُؤْمِنِينَ سُلْطَانًا وَاضِحًا عَلَى قِتَالِهِمْ .