حال إيمان إلى كفر، بخذلانه من خذل منهم عن طاعته وتوحيده، وغير ذلك من أمرهم [1]
تجيء هذه الفقرة بعد الفقرة السابقة التي تقرر فيها الاستنكار من ناحية المبدأ لأن يكون للمشركين عهد عند اللّه وعند رسوله والأمر بتخيير المشركين في الجزيرة بين الدخول فيما دخل فيه المسلمون أو قتالهم - إلا من استجار فيجار حتى يسمع كلام اللّه ثم يبلغ مأمنه خارج دار الإسلام - وبيان علة هذا الاستنكار وهي أنهم لا يرعون إلّا ولا ذمة في مؤمن متى ظهروا على المؤمنين.
تجيء هذه الفقرة لمواجهة ما حاك في نفوس الجماعة المسلمة - بمستوياتها المختلفة التي سبق الحديث عنها - من تردد وتهيب للإقدام على هذه الخطوة الحاسمة! ومن رغبة وتعلل في أن يفيء المشركون الباقون إلى الإسلام دون اللجوء إلى القتال الشامل! ومن خوف على النفوس والمصالح وركون إلى أيسر الوسائل! ...
والنصوص القرآنية تواجه هذه المشاعر والمخاوف والتعلات باستجاشة قلوب المسلمين بالذكريات والأحداث القريبة والبعيدة. تذكرهم بنقض المشركين لما أبرموه معهم من عقود وما عقدوه معهم من أيمان. وتذكرهم بماهمّ به المشركون من إخراج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكة قبل الهجرة. وتذكرهم بأن المشركين هم الذين بدأوهم بالاعتداء في المدينة .. ثم تثير فيهم الحياء والنخوة أن يكونوا إنما يخشون لقاء المشركين.
واللّه أولى أن يخشوه إن كانوا مؤمنين .. ثم تشجعهم على قتال المشركين لعل اللّه أن يعذبهم بأيديهم ، فيكونوا هم ستارا لقدرة اللّه في تعذيب أعدائه وأعدائهم ، وخزيانهم وقهرهم. وشفاء صدور المؤمنين الذين أوذوا في اللّه منهم .. ثم تواجه التعلات التي تحيك في صدور البعض من الأمل في دخول المشركين الباقين في الإسلام دون حرب ولا قتال. تواجه هذه التعلات بأن الرجاء الحقيقي في أن يفيء هؤلاء إلى الإسلام أولى أن يتعلق بانتصار المسلمين ، وهزيمة المشركين. فيومئذ قد يفيء بعضهم - ممن يقسم اللّه له التوبة - إلى الإسلام المنتصر الظاهر الظافر! ..
(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة - (14 / 158)