حذرهم من عدوهم ، فيكونوا دائما على تأهب واستعداد ، فهى دعوة عامة إلى الحيطة والحذر ، واليقظة الدائمة لملاقاة العدوّ بالقوة الرادعة ، واليد المتمكنة الباطشة.
وقوله: « فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا » هو مظهر من مظاهر الحذر ، حيث يتخير المجاهدون الأسلوب المناسب للقاء عدوّهم ، فتارة يلقونه جماعة جماعة ، وطورا يلقونه بقوتهم جميعا ، حسب تقديرهم لقوة العدوّ ، وللأسلوب الذي تمليه الحكمة ، ويقتضيه النظر. ، ويستدعيه الموقف. [1]
لقد سلط اللّه النبىّ والمسلمين على هذا العدوّ المتربّص بهم ، الكائد لهم ، وأمرهم بأن يضربوهم الضربة القاضية التي تأنى عليهم ، وتكون مثلا وعبرة لغيرهم.
ولكن .. ما الذي يمكّن للنبى والمسلمين من أن يبسطوا يدهم على عدوّهم وينزلوه على حكمهم فيه ؟ إنه لا شىء إلا القوة التي يكون عليها المسلمون في الرجال والعتاد ..
ومن هنا أتبع القرآن الكريم الأمر بتأديب العدوّ وبسط اليد عليه ـ أتبع ذلك بالأمر باتخاذ الوسائل المحققة لهذا الأمر ، وذلك بالأخذ بكل أسباب القوة ، التي ترجح بها كفة المسلمين في ميادين القتال ، ومصادمة العدوّ.
وفى قوله تعالى: « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ » ، أمر باتخاذ القوة ، والعمل على بنائها ، والتوسل إليها بوسائلها ، ومن أهم تلك الوسائل « الخيل » .. إذ كانت في هذا الوقت أقوى مظهر من مظاهر القوة والفروسية .. فحيث كانت الخيل ، وكان فرسانها ، كانت القوة والمنعة ..وفى التعبير عن « الخيل » بقوله تعالى: « وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ » إشارة إلى الإكثار من الخيل ، وإعدادها للحرب ، وتدريبها على القتال ، وحبسها على هذا المجال ، فلا تتخذ لغرض آخر ، بل تكون دائما مرصودة للقاء العدوّ ، مهيأة للاشتباك معه في أية لحظة .. إنها مرابطة كما يرابط المجاهدون على الثغور لحماية المسلمين ، وسد الثغور التي ينفذ منها العدو إليهم.!
وفى قوله تعالى: « تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ » الضمير في « به » يعود إلى رباط الخيل ، وأنه مصدر رهبة للعدوّ. إذا كان هذا الرباط من الكثرة والإعداد على صورة
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 831)