فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 586

وكل هؤلاء مؤمنون مسلمون ولكنهم كانوا في أوائل الطريق. كانوا في دور التربية والتكوين. ولكنهم كانوا جادين في أخذ هذا الأمر ، مسلمين أمرهم للّه ، مرتضين قيادته ، ومستسلمين لمنهجه. ومن ثم لم يطردهم اللّه من كنفه ، بل رحمهم وعفا عنهم وأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يعفو عنهم ، ويستغفر لهم ، وأمره أن يشاورهمفي الأمر ، بعد كل ما وقع منهم ، وبعد كل ما وقع من جراء المشورة! نعم إنه - سبحانه - تركهم يذوقون عاقبة تصرفاتهم تلك ، وابتلاهم ذلك الابتلاء الشاق المرير .. ولكنه لم يطردهم خارج الصف ، ولم يقل لهم: إنكم لا تصلحون لشيء من هذا الأمر ، بعد ما بدا منكم في التجربة من النقص والضعف .. لقد قبل ضعفهم هذا ونقصهم ، ورباهم بالابتلاء ، ثم رباهم بالتعقيب على الابتلاء ، والتوجيه إلى ما فيه من عبر وعظات. في رحمة وفي عفو وفي سماحة كما يربت الكبير على الصغار وهم يكتوون بالنار ، ليعرفوا ويدركوا وينضجوا. وكشف لهم ضعفهم ، ومخبآت نفوسهم ، لا يفضحهم بها ، ويرذلهم ، ويحقرهم ، ولا ليرهقهم ويحملهم ما لا يطيقون له حملا. ولكن ليأخذ بأيديهم ، ويوحي إليهم أن يثقوا بأنفسهم ولا يحتقروها ولا ييأسوا من الوصول ما داموا موصولين بحبل اللّه المتين.

ثم وصلوا .. وصلوا في النهاية ، وغلبت فيهم النماذج التي كانت في أول المعركة معدودة. وإذا هم في اليوم التالي للهزيمة والقرح ، يخرجون مع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - غير هيّابين ولا مترددين ولا وجلين من تخويف الناس لهم حتى استحقوا تنويه اللّه بهم: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ، فَزادَهُمْ إِيمانًا ، وَقالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ..

ولما كبروا بعد ذلك شيئا فشيئا .. تغيرت معاملتهم ، وحوسبوا كما يحاسب الرجال الكبار. بعد ما كانوا يربتون هنا كما يربت الأطفال! والذي يراجع غزوة تبوك في سورة براءة ومؤاخذة اللّه ورسوله للنفر القلائل المتخلفين ، تلك المؤاخذة العسيرة ، يجد الفرق واضحا في المعاملة ويجد الفرق واضحا في مراحل التربية الإلهية العجيبة. كما يجد الفارق بين القوم يوم أحد ، والقوم يوم تبوك .. وهم هم .. ولكن بلغت بهم التربية الإلهية هذا المستوي السامق .. ولكنهم مع هذا ظلوا بشرا. وظل فيهم الضعف ، والنقص ، والخطأ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت