"ولا تحتاج هذه الآيات الكريمة إلى شرح أو بيان ، لمن يعيش هذه المعركة بمشاعره ، ويشارك فيها بوجدانه ، ويزن فيها الأحداث بالميزان الذي أقامه اللّه بين عباده ، وأجرى أمورهم عليه! فأولا: لقد اختلف أمر المسلمين في هذه المعركة .. قبل أن يخرجوا إليها .. وهذا الخلاف ـ أيّا كان ـ هو عامل ضعف ، وداعية فتور ووهن .."
وكان من أولى وصايا الإسلام للمسلمين ، أن يحذروا هذا الداء ، وأن يجتنبوه في كل ما يأخذون وما يدعون من أمور: « وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ » (46: الأنفال) .
وثانيا: لم يقم أمر المسلمين جميعا في هذه المعركة على ما وصّاهم اللّه به ، ولفتهم إليه ، قبل أن يدخلوا المعركة ، وذلك في قوله تعالى: « بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ » (125: آل عمران) . فثبتت قلة وصبرت .. وتواكلت كثرة منهم ، فانهزمت وولت وثالثا: أضاف كثير من المسلمين يومئذ معركة أحد إلى معركة بدر ، وحسبوها بحسابها .. فما أن رأوا ريح النصر تهبّ عليهم ، وتكاد تسلم أعداءهم لأيديهم ، حتّى أعفوا أنفسهم من مئونة القتال ، وتركوا المعركة للملائكة تتمها كما بدأتها!! وذلك تقدير فيه كثير من البعد عن الطريق الذي أقامهم اللّه عليه في تلك المعركة ، وهو أن يكسبوها بأيديهم ، وبصبرهم وتقواهم.
وإنه لو جرت الأمور على هذا التقدير الذي قدّروه ، لما كان بلاء ولا اختبار .. ومن ثمّ فلا ثواب ولا جزاء .. إذ بم يثابون ؟ وعلى أي شىء يجزون ؟ وما فضل المجاهدين على القاعدين ؟ بل ما فضل المؤمنين على الكافرين ؟ « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ » ؟
إن بلاء المؤمنين وجهادهم ، هو الذي يكشف عن إيمانهم ، ويعطى الدليل العملي لهم وللنّاس ، أنّهم مؤمنون حقّا ، وأنهم أدوا حقّ هذا الإيمان ، بلاء وجهادا.
وفى قوله تعالى: « وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ » لا يتعلق علم اللّه بجهادهم وصبرهم. فعلم اللّه واقع على ما كان منهم وما سيكون قبل أن يكون ، ولكن المراد بالعلم هنا ، علم المعلوم في حال وقوعه ، أي علمه على الصفة التي وقع عليها