فهمة الكافر على قدر ما يرمى إليه من غرض خسيس ، ولا كذلك همة المؤمن الذي يرمى إلى إقامة صرح العدل في الدنيا والسعادة الباقية في الآخرة - إن كنتم مؤمنين بصدق وعد اللّه بنصر من ينصره. وجعل العاقبة للمتقين المتبعين لسنته في نظم الاجتماع ، حتى صار ذلك الايمان وصفا ثابتا لكم حاكما نفوسكم وأعمالكم.
وإنما نهى عن الحزن على ما فات ، لأن ذلك مما يفقد الإنسان شيئا من عزيمته ، وبالعكس صلته بما يحب من مال أو متاع أو صديق تكسبه قوة وتوجد في نفسه سرورا ، والمراد من النهى عن مثل ذلك معالجة النفس بالعمل ولو تكلفا وخلاصة ذلك - الأمر بأخذ الأهبة وإعداد العدّة مع العزيمة الصادقة والحزم والتوكل على اللّه حتى يظفروا بما طلبوا ويستعيضوا مما خسروا.
وقوله وأنتم الأعلون تبشير بما يكون لهم في المستقبل من النصر ، فإن من احترق الإيمان الصحيح فؤاده ، وتمكن من سويداء قلبه يكون على يقين من العاقبة ، بعد مراعاة السنن والأسباب المطردة للظفر والفلاح.
(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) أي إن كان السلاح قد عضكم وعمل فيكم يوم أحد فقد أصاب المشركين مثل ما أصابكم في ذلك اليوم ، فقد قتل منهم مثل من قتل منكم فلم يكونوا غالبين.
والخلاصة - إنه لا يسوغ لكم التقاعد عن الجهاد ، وليس لكم العذر فيه لأجل أن مسكم قرح ، فان أعداءكم قد مسهم مثله قبلكم وهم على باطلهم لم يفتروا في الحرب ولم يهنوا ، فأنتم أجدر بصدق العزيمة لمعرفتكم بحسن العاقبة ، وتمسككم بالحق.
(وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ) أي إن مداولة الأيام سنة من سنن اللّه في المجتمع البشرى ، فمرة تكون الدولة للمبطل ، وأخرى للمحق ، ولكن العاقبة دائما لمن اتبع الحق.
وإنما تكون الدولة لمن عرف أسباب النجاح ورعاها حق رعايتها كالاتفاق وعدم التنازع والثبات وصحة النظر وقوة العزيمة ، وأخذ الأهبة وإعداد ما يستطاع من القوة.
فعليكم أن تقوموا بهذه الأعمال وتحكموها أتم الإحكام حتى تظفروا وتفوزوا ، ولا يكن ما أصابكم من الفشل مضعفا لعزائمكم ، فإن الدنيا دول.