تابع الحديث في هذا الدرس عن أحكام الغنائم التي تنشأ من النصر في ذلك القتال الذي بين غايته وهدفه: «حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ» ..
ومع أن غاية الجهاد قد تحددت بهذا النص الواضح وتبين منها أنه جهاد للّه ، وفي سبيل أهداف تخص دعوة اللّه ودينه ومنهجه للحياة .. ومع أن ملكية الأنفال التي تتخلف عن هذا الجهاد قد بت في أمرها من قبل ، فردت إلى اللّه والرسول ، وجرّد منها المجاهدون لتخلص نيتهم وحركتهم للّه .. مع هذا وذلك فإن المنهج القرآني الرباني يواجه الواقع الفعلي بالأحكام المنظمة له. فهناك غنائم وهناك محاربون. وهؤلاء المحاربون يجاهدون في سبيل اللّه بأموالهم وأنفسهم: هم يتطوعون للجهاد ، وهم يجهزون أنفسهم على نفقتهم الخاصة وهم يجهزون غيرهم من المجاهدين الذين لا يجدون ما ينفقون .. ثم هم يغنمون من المعركة غنائم. يغنمونها بصبرهم وثباتهم وبلائهم في الجهاد .. ولقد خلص اللّه نفوسهم وقلوبهم من أن يكون فيها شيء يحيك من شأن هذه الغنائم فرد ملكيتها ابتداء للّه ورسوله .. وهكذا لم يعد من بأس في إعطائهم نصيبهم من هذه الغنائم - وهم يشعرون أنهم إنما يعطيهم اللّه ورسوله - فيلبي هذا الإعطاء حاجتهم الواقعية ، ومشاعرهم البشرية ، دون أن ينشأ عنه محظور من التكالب عليه ، والتنازع فيه ، بعد ذلك الحسم الذي جاء في أول السورة ..
إنه منهج اللّه الذي يعلم طبيعة البشر ويعاملهم بهذا المنهج المتوازن المتكامل ، الذي يلبي حاجات الواقع كما يلبي مشاعر البشر وفي الوقت ذاته يتقي فساد الضمائر وفساد المجتمع ، من أجل تلك المغانم!
«وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ، وَلِلرَّسُولِ ، وَلِذِي الْقُرْبى ، وَالْيَتامى ، وَالْمَساكِينِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ .. إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ .. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ..
وبين الروايات المأثورة والآراء الفقهية خلاف طويل .. أولا: حول مدلول «الغنائم» ومدلول «الأنفال» هل هما شيء واحد ، أم هما شيئان مختلفان؟ وثانيا: حول هذا الخمس - الذي يتبقى بعد الأخماس الأربعة التي منحها اللّه للمقاتلين - كيف يقسم؟ وثالثا: